رقصة الحرية والانعتاق

أشار أحد الحكماء على الحاكم أن يختبر نزاهة وزرائه بالرقص، فدعاهم إلى مجلسه ثم طلب إليهم أن يرقصوا أمامه، وكان قد وضع ذهبا وياقوتا والعديد من الجواهر والنقود في الممر المفضي إلى مجلسه.
فكلما دخل عليه وزير أحجم عن الرقص أو تظاهر بفعل ذلك إلا قليلا منهم ممن أجاد الرقص بمهارة وخفة متناهية، فقال الحكيم :” هؤلاء هم الأمناء” أما الباقون فلم يرقصوا لأن جيوبهم مليئة بما نهبوا من المال والجواهر في طريقهم إلى مجلسك.
نورد هذه القصة “أمناء يرقصون” لنتساءل وإياكم لماذا لا ترقص بعض النخب العربية مع الشعوب رقصة الانعتاق والحرية من خلال الحراك الذي يعرفه الشارع العربي؟ لماذا تصر بعض النخب على خيانه أمانة الأصوات الشعبية التي فوضتها لتكون لسانها الناطق بمطالبها وآثرت عكس ذلك الانحياز للأنظمة المستبدة والعيش في حضنها، متنكرة للوعود التي قطعتها على نفسها في برامجها الانتخابية؟
نخوض في هذه التساؤلات لنؤكد على أن تقاعس النخب السياسية عن أداء دورها الصحيح كان الدافع الرئيس للمد في عمر الأنظمة المستبدة والتزلف بين يديها سنين عديدة طمعا في الامتيازات والعطايا
أو لنقُل رشاوى للمشاركة في “اللعبة السياسية” الملغومة التي يقايضون بها حقوق الشعوب.
فلا غرو أن تحجم بعض النخب العربية اليوم عن رقصة الانعتاق والحرية لأن جيوبها، عفوا حساباتها البنكية أصبحت تنوء بثقل المبالغ المالية التي كدستها من النهب والسلب الممنهج للأموال العامة لذلك فهي تفضل أن تبقى “دار لقمان” على حالها!
تحجم بعض النخب العربية عن رقصة الانعتاق والحرية لأن جرثومة الاستبداد تمكنت من خرق نظامها الوقائي وامتصاص ما به من عزة وأنفة وغيرة وكرامة، فأضحت هذه النخب لا تقبل للاستبداد بديلا ولا ترى للتغيير أفقا لأن التغيير في عُرفها من سابع المستحيلات، كيف لا والدساتير محبوكة ومقفلة والقوانين قد صيغت لتمد في عمر الأنظمة وتقبِر كل هبّة أو مجرد فكرة التغيير!
لكن، اليوم يندحر الاستبداد تباعا وتُسمع الشعوب كلمتها وأحقيتها في العدل والمساواة والحرية والكرامة، تطرح الدساتير البالية وتختار من يتولى أمورها وتطوي صفحات مؤلمة من تاريخها لطالما عبث بها العابثون بالأكاذيب والترهات جيلا بعد جيل، تدفع الغالي والنفيس إيمانا منها بأن الحرية لا ثمن لها.
اليوم، يرقص الشارع العربي للحرية وقد تجاوز نخبه المتواطئة مع الأنظمة المستبدة، مفندا “حنكة” الدساتير والقوانين الجائرة السالبة للحريات.
يرقص الشارع العربي من المحيط إلى الخليج متحديا القمع والعنف ليقينه أنه على موعد تاريخي، موعد لا يتخلف عنه من عمل لتحقيق سنة الله تعالى وموعوده بفجر الاستخلاف على منهاج خير البرية، الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم! فجر يبشر بانبلاج صبح الحرية مهما طال ليل الاستبداد.