قضايا > قضايا معاصرة بعيون نسائية
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
ذة. نادية بلغازي 3 نونبر 2009
كنت شاهدة على فترتين، الأولى حين أُدخلوا، وهم من زينة شباب الأمة، ظلما وعدوانا، إلى سجون القهر والظلم والاستبداد لا لشيء إلا لأنهم " قالوا ربنا الله" ورفضوا الظلم والمساومات وأبوا الانصياع، اتُّهموا بالقتل وهم أحفظ الناس للحياة، ورُموا بالباطل وهم أحرص الناس على الحق. ضيق عليهم، وأبعدوا عن أهاليهم، وهُجِّروا. حرموا من حقوقهم الطبيعية فاستماتوا من أجلها ووقفوا وقفة الرجال كالبنيان المرصوص والحصن المنيع. سووموا في حرياتهم، فأبوا الرضوخ ولو بكلمة قد تكون ثمنا لحرياتهم، كيف يعترفون بذنب لم يقترفوه ؟ ويطلبوا الصفح عن إثم لم يرتكبوه ؟. ظلت هممهم شامخة أبية وعودهم قويا يأبى أن ينكسر. واصلوا التعلم ونالوا أكبر تقديراته وحصلوا على أعلى شواهده. حفظوا كتاب الله حسا ومعنى وصاروا شامات من وراء القضبان في زمن عزت فيه الرجولة وكاد معينها ينضب لولا العاضين على الجمر في زمن الغربة الثانية.
وجاءت بعد المحنة المنحة؛ بشرى خروجهم وكنت شاهدة عليها. شهدت استقبالهم وسط جموع المحبين من إخوانهم وأخواتهم وأهاليهم ممن تركوهم وسط السجن الآخر، سجن التضييق والحصار وتكميم الأفواه والخنق للكلمة الحرة الأبية. حضرت جمعهم المبارك في باب الدار العامرة، رجال يلألئ الإيمان والصبر على القضاء محياهم، ويفيض نور كلام الله الذي تحمله طاهر قلوبهم على سيماهم. تعالت أناشيد الترحيب والنصر وسط زغاريد الفرحة والحبور لولا تدخل غاشم آخر ضمن سلسلة من التدخلات الظالمة لرجالات المخزن قصد منع الاحتفال. فرق متدخلة من شتى الأشكال والألوان وأزياء متنوعة حامية للظلم أكثر من حمايتها للحق، واستفزاز من هنا وهناك، وتهديد بالويل والثبور إن استمر الترحيب.
ما عهدت بلادي، وأنا المتيمة بهواها، إلا صانعة للرجال، فكيف لرحم اعتادت صنع الرجال أن تتحول فيها رجولة الرجال إلى قوة قامعة مقيتة تدل على الضعف والهوان.
كيف لبلد يتغني بالديمقراطية وحقوق الإنسان أن ينتهك أبسط حقوق أبنائه، الحق المشروع في الدعوة والاجتماع على الخير حول موائد الرحمن، موائد الذكر والقرب والتهمم بأحوال الأمة جمعاء.
يسوؤني أن تصنفنا الديمقراطيات الأخرى، على هنات ديمقراطياتها، ضمن الدول المنتهكة لحقوق الإنسان، البعيدة عن ضمان حقوقه.
يسوؤني أن نصنف الأوائل... في كل ما هو سلبي؛ حرب طرقات ودعارة وإجرام وإفلاس سياسي واجتماعي واقتصادي، تعليم في الحضيض وفساد على كل المستويات.
أضحينا أيتاما أم عجزت أرحامنا عن وضع الرجال ؟ أستغفر الله، هي رجولة موصولة في بلد الرجال وهؤلاء الخارجون من سجون الظلم ومن معهم من العاضين على الحق في كل زمان ومكان مثال عنها.
إنما هو إيقاظ لهمم نامت واستلذت سباتها ونفوس أخلدت إلى الأرض وأعجبها قعودها...
إنما هو قيام ضروري من أجل أن تتظافر الجهود لتحقيق غد أفضل لهذا البلد الحبيب، ومعه لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعاء.
قد يكون بعض من شهد على ظلم اعتقالهم قد ووري التراب وحمل معه وزر الظلم الذي حرمه الله على العباد.
وقد يكون منهم من شوش على إطلاق سراحهم المشروع دون أن يفوز إلا بوزر ظلمهم، ذاك الظلم الذي يهتز له عرش الرحمن.
عجبت لمن يبقى على غَيِّه عقودا دون أن يتوب إلى ربه أو يحدث نفسه بتوبة.
كان سجنكم سياحة ورباطا في سبيل الله، فهنيئا لكم. وكان إثمهم جبالا من الغي والوزر والآثام فهل من أوبة إلى ربهم.
وطاب مقامكم فوق أرضكم إخوتي الأعزاء، ولك الله أخي يا من بقيت صامدا وراء القضبان. كلنا شوق إلى معانقتك لحريتك في بلد ضيقت فيه الحريات.