|
| ذة: نادية بلغازي 14 يوليوز 2009 |
|
|
|
| بلغ أحدَهم، وكانت تبدو عليه علامات الصلاح والاستقامة، استدعاءٌ من مخفر الشرطة للحضور عاجلا إلى مقرها. حاول جاهدا أن يستقرأ الحروف اليتيمة الواردة فيها (خ.ن.ف)، فلما أعيته السبل توجه مهرولا إلى المقصد. هكذا تربى دائما على السير بمحاذاة "الحائط القصير" كما تلا على مسامعه مربوه وهو لا يزال غضا طريا. ما فكر قط في المشاركة في مظاهرة ولا التنديد في مسيرة، أرهبوه دائما بسنوات الرصاص والاختطافات والتعذيب الممنهج في درب مولاي الشريف أو دار المقري أو غيرهما الذي لطالما مورس على كل من سولت له نفسه مجرد إبداء رأي مخالف، أو التنديد بارتفاع ثمن البصل أو الحليب ذات صباح أعيته فيه المصاريف، وأنهكت جيبه الأسعار المرتفعة التي لا تتلاءم وأجرته الزهيدة.
|
|
|
| التقطت عيناه الجاحظتان أول شرطي لاح له في مدخل المخفر فتوجه إليه برجلين مرتعشتين وصوت متدحرج متردد لا يكاد يُبين: "هلا شرحت لي سيدي معنى هذا الاستدعاء ومغزى هذه الحروف المتقطعة، فما لي إلى استنطاقها سبيل ولا إلى إدراك مفهومها دليل؟". |
|
| أمعن الشرطي فيه النظر، وحدق إلى الورقة مليا ثم قال وهو يضغط على كل كلمة: "أنت إذن أخو 'ناعمة' الفاسدة؟". فَغَر فاهُ متعجبا ثم رد بامتعاض بالغ مقرون باعتزاز ظاهر، هو الذي تفتحت عيناه على الطهر ودرج على العفة والحياء في أسرة بسيطة حال جل المغاربة، لكنها متشبثة بالقيم والمكارم: "لا ثم ألف لا". قال الشرطي وهو يهز كتفيه بلا اكتراث: "إذا فاسأل المسؤول فهو خبير بأحوال هذا البلد ومقاماته ونوازله". توجه إليه، وقبل دخوله وجد شرطيا آخر فسأله عن كنه الاستدعاء وماهيته. وبعدما تطلع إليه مليا كسالفه أعاد على مسامعه نفس الأسطوانة المخلة: "أنت إذن أخو 'ناعمة' الفاسدة".كيف يجرؤون؟ أهكذا ينبش في الأعراض ويلوح بالاتهامات المشينة في هذا البلد الأمين؟ ما كان يملك إلا أن ينفي الاتهام بشدةِ من يحرص على سلامة عرضه ونقاء طويته أن يخدشا ولو بكلمة طائشة عابرة. فقال الشرطي: "ادخل إذن عند المسؤول مباشرة فعنده الجواب الكافي والبلسم الشافي". |
|
| دخل مسرعا وكأنه يريد القصاص لعرضه المجروح وقلبه المكلوم وأنفته المغتصبة. نظر سعادة المسؤول بقوة إلى الاستدعاء ثم قال بصوت حاد تشوبه سعادة من حصل على مطلوبه واقتنص طريدته: "أنت من الخلية النائمة للفرقة الإرهابية x"، أجاب صاحبنا بنبرة مسرعة مرتبكة وهو يريد أن ينفي هذه التهمة الخطيرة التي سقطت عليه كجلمود صخر من عَل: "لا بل أنا أخو 'ناعمة' الفاسدة".قصة معبرة ولا شك عن واقع مرير تعيشه فئات المجتمع حينما تختل الموازين وتغيب العدالة ويصبح التراشق بالتهم واقعا متبلدا يفرض نفسه بامتياز في بيئات ما أشد حاجتها إلى التربية.ليس الإشكال في ناعمة، وإن كانت غير معفية من المسؤولية الفردية، لكن الإشكال في بلد تغيب فيه العدالة، فتضطر الكثيرات إلى بيع اللحم الآدمي. تاريخ المغرب شاهد على هذا الواقع، واقع الظلم الذي مورس ولا يزال لعقود على أطراف سياسية متنوعة، وهو شاهد صدق وعدل على ضروب من الاختطافات والتعذيب والتهديدات التي تغذت فئات من المجتمع على آلامها راغمة ومشمئزة من نغماتها النشاز المروعة... تصالحوا مع من شاءوا وبقوا على مخاصمة وعذل من شاءوا، بل وازدادوا غيا وضيقوا الخناق، وقد يكون في حسبانهم أن ينفخوا في مزامير المصالحة ويدقوا طبولها في زمن آت.لكم الله جميعا يا جموع الأصوات الحرة داخل بلادي وخارجها.لكم الله يا إخواني المرابطين في سجون الظلم والقهر.ما سعيتم في الأرض فسادا ولا أنتم ممن يرهبون، ولكنكم إخوة يوسف عليه وعلى كل أنبياء الله السلام، مصابيح الدجى، أعلام الهدى، وسواعد الأمة، وعناوين عزتها.تحية إكبار وإجلال وفخر لكم يا أمل غد الإسلام الأغر. |
|
|