نساء صدقن
أدب الصحابيات في الطلب "أم طليق نموذجا"
ذة.حياة بولكراكر 28 مارس 2009
لسنا بصدد كتابة ترجمة وافية للصحابية الجليلة أم طليق الأنصارية، بنت من هي ومن اين ينحدر نسبها، فذلك مجال آخر، وإنه يكفيها أن يكون لها موقف شهد بصوابه وصدقه المعلم المربي، عليه الصلاة والسلام، كي ترتفع إلى مصاف القدوات في ذلك الموقف، وكي تشرئب أعناقنا وتتحفز إراداتنا-نحن المتشوفات إلى بلوغ كمالنا الخلقي والوظيفي- لمتابعة مشهد حي من مشاهد الحافظية التي بها لا بغيرها تبلغ الزوجات كمالهن الوظيفي. فلنأخذ لأنفسنا استراحة لنتعلم ونتربى وننهل من كنوز هذا الحديث/الحوار الذي دار بين هذين الزوجين وما أسفرت عنه المفاوضات بينهما.
الحديث من مصادره
حفظت لنا كتب السنة، بروايات متعددة، مواقف كثير من الصحابيات في حجة الوداع يطلبن فضل صحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومرافقته، ويتمسكن بحقهن في ذلك، أورد بعضها الإمام البخاري في "باب الحج مع النساء" والإمام ابن حجر العسقلاني في "الإصابة في تمييز الصحابة كما حدث ببعضها الألباني في "السلسلة الصحيحة" ومنها هذا الحديث بالصيغة التي بين أيدينا عن الصحابي الجليل – راوي الحديث- أبو طليق رضي الله عنه.
روى طلق بن حبيب البصري إن أبا طليق حدثهم أن امرأته أم طليق أتته
_فقالت له: حضر الحج يا أبا طليق وكان له جمل وناقة يحج على الناقة ويغزو على الجمل فسألته أن يعطيها الجمل تحج عليه
قال: ألن تعلمي أني حبسته في سبيل الله؟
قالت: إن الحج من سبيل الله فأعطنيه يرحمك الله
قال: ما أريد أن أعطيك
قالت: فأعطني ناقتك وحج أنت على الجمل
قال: لا أؤثرك بها على نفسي
قالت: فأعطني من نفقتك
قال: ما عندي فضل عني وعن عيالي ما أخرج به وما أنزل لكم
قالت: إنك لو أعطيتني أخلفكها الله
قال: فلما أبيت عليها قالت : فإذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقرئه مني السلام وأخبره بالذي قلت لك
قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقرأته منها السلام وأخبرته بالذي قالت أم طليق
قال: صدقت أم طليق لو أعطيتها الجمل كان في سبيل الله ولو أعطيتها ناقتك كانت وكنت في سبيل الله ولو أعطيتها من نفقتك أخلفكها الله
قال: وإنها تسألك يا رسول الله ما يعدل الحج معك
قال: عمرة في رمضان
رواه البزار والدولابي في "الكنى والأسماء".
حوار ومفارقة
إذا جمعنا قول أم طليق وقول أبي طليق كل في خانة فإن الناظر إلى خانة أم طليق أول ما ينطبع في ذهنه أنها تزخر بالمعاني التالية: الأدب (فقد نادته بلقبه منذ أول الكلام)، التودد (يرحمك الله)، التوضيح لسبب الطلب (إن الحج في سبيل الله)، ولفضل الاستجابة (إنك لو أعطيتني أخلفكها الله) حتى آخر الحوار، وتوجت ذلك بالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإرسال السلام له قبل أن تستفتيه حول ذلك الأمر.

بينما نجد خانة أبي طليق تكاد تطفح بمعاني الاستنكار والرفض غير المبرر والاستئثار بالخير (ألن تعلمي، ما أريد أن أعطيك، لا أوثرك على نفسي، ما عندي فضل، فلما أبيت عليها). ولسنا هنا بصدد الإنكار على صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تأديبه–معاذ الله- فإننا لا نبلغ معشار ما آتاه أصحاب رسول الله ولا أقل من ذلك رضي الله عنهم أجمعين. وإنه يكفيه صدقه وأمانته في تبليغ الحديث مع ما فيه من ترجيح موقف زوجته على موقفه، فليكن موقفهما معا تربية لنا جميعا.
حضرة الحافظية:
قال تعالى ((فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله)). إذا كان من معاني حافظية المرأة/الزوجة أن تحفظ ما غاب عن ذهن الرجل/الزوج بعدما تكون قد حفظت غيبته في نفسها وماله، وحفظت الفطرة في نفوس النشء الذي استودعها الله جل وعلا، فماذا حفظت أم طليق مما غاب عن ذهن أبي طليق؟ وكيف؟.

هل كان سجال عادي بين زوجين ليؤثل لنا مثل ما أثل حوار أبي طليق وزوجته من خير طال الأمة بأكملها لو انطلق الحوار بينهما بنفس النبرة التصاعدية، التي بدأ بها الزوج أو لو أن الزوجة خرجت عن هدوءها واتزانها النفسي بعد اليأس التام من نيل مرادها؟.

وكأني بصحابيتنا أم طليق تهمس في أذن كل زوجة: يا بنيتي إذا خرج الزوج عن اللياقة والأدب معك فرديه أنت بلطفك وهدوءك فإنك بذلك لا بغيره تحفظين فطرتك التي فطرك المولى عليها إذ قال تعالى في المرأة الرقيقة ((أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)) وبذلك أيضا تعلمينه ما يجهله وتذكرينه ما غاب عن ذهنه.
ما إرادة أم طليق؟
لم تكن الرقة في الكلام ودماثة الخلق وسيلة لنيل حظ من حظوظ النفس-وإن كان ذلك جائزا فإن لنفسك عليك حقا كما جاء في الحديث الشريف- ولكنه علو الهمة وسمو المطلب لدى هذه المرأة المدرسة التي ما فتأت تعلمنا شكلا ومضمونا، مظهرا ومخبرا. إنه حج وإنها صحبة، ليس أي حج وليست أية صحبة، بل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الله. هكذا فليكن المطلب يا أم طليق.
صدقت أم طليق
هل استقالت أم طليق من دورها في إبداء الرأي وتصحيح الفهم أمام زوجها وهو الصحابي الذي يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمع ويخرج معه للجهاد ويراه ويلازمه أكثر مما تفعل هي، إذ تقضي سواد يومها في خدمة البيت والنظر في شؤون أهله وحاجياتهم؟، أليس الفهم عن الله ورسوله أقرب إلى عقل زوجها منه إلى عقلها؟.

ومع ذلك أجرى الله تعالى الحكمة على لسانها، فالحج وجه من أوجه الجهاد المتعددة، ونفقة الحج يخلفها الله. وكانت أم طليق -بسؤالها عما يعوض فضل الحج مع رسول الله - سببا لخير عظيم عم الأمة إلى يوم الدين، فمن منا -نحن المتأخرين في الزمن- كان يطمح أن ينال فضل الحج مع رسول الله وبيننا وبينه مئات السنين. " قال وإنها تسألك يا رسول الله ما يعدل الحج معك"، قال: "عمرة في رمضان"
كل مهيأ لما خلق له
إنه درس وعبرة لكل امرأة أعطت لعقلها وتفكيرها عطلة دائمة وتركت هذا الدور لغيرها حتى وإن كان هذا الغير زوجا أو أبا أو ابنا أو..لأن الحياة تتطلب توازنا في الرؤية وتكاملا في الأدوار، فما خلق الله عز وجل الذكر والأنثى عبثا، بل إن كلا الجنسين حباه الله تعالى بمقومات وكفاءات ينبغي أن يعمل على اكتشافها وصقلها حتى يقوم أحسن قيام بالدور الذي من أجله جاء إلى هذه الدنيا.