نساء صدقن
خبر امرأة في حجة الوداع
ذة. زهرة مستعدل 2 دجنبر 2008
تبدأ الأحداث من الأيام الأوائل من حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تنامى الخبر في الآفاق أنه صلى الله عليه وسلم قد عزم على الحج هذا العام، فقدم المدينة بَشرٌ كثير، وفي رواية: " فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكباً أو راجلاً إلا قدم" كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله، كما جاء في سنن أبي داود، ولم تكن النساء بأقل حرصاً في هذا الأمر من الرجال، وتتكاثر الروايات حول مدى رغبة الصحابيات في الحج معه صلى الله عليه وسلم، ومنها ما رواه مسلم : "ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركباً فسلم عليهم وقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون. قالوا: فمن القوم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت امرأة صبياً لها من محفتها فقالت: يا رسول الله ألهذا الحج؟ قال: نعم ولك أجر".
وكما لا يخفى فالحج من أفضل وأحب الأعمال إلى الله، لحديث أبي هريرة :"سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال:إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" متفق عليه. والولد عمل الإنسان وهذه المرأة أرادت أن يكون أفضل عملها فسألت: ألهذا حج؟ .حرصت على حفظ الفطرة، والحفظ استمرار واستقرار، وعلى الخير أن يتعداها إليه منذ صباه. وواجب المؤمنة إزاء الولد أن تستنير بالوحي وتعمل عليه لتسير على بينة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". والحديث يخبر أن المولود الجديد يولد مسلما كامل الاستعداد لتلقي العلم بالله والقبول.
كما حرصت على صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لها ولولدها " قالت: ألهذا الحج؟ قال: نعم ولك أجر" فهي و إن كانت مأجورة على تربيتها له فلها أجر حجه أيضا.
ما الذي حذا بهذه المرأة أن تقف دون القوم فتسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حج ولدها إن لم يكن الحرص على العلم؟ !! ومن أين اكتسبت هذه الجرأة على السؤال أمام الرجال وهي المرأة في ضواحي المدينة بالروحاء -مكان على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة-؟!! .. إن لم تكن التربية والتعليم النبويان ساريين في ذلك الزمان وإن لم تكن النساء آنذاك حريصات على تعلم دينهن وعلى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف فقدت تلك التربية وماتت تلك الروح؟!! كيف قتلت المرأة وأفشلت؟!!.
انفرط نظام الحكم فذهبت النساء الراعيات المسؤولات المجاهدات كما نقرأ عنهن في السيرة العطرة وفتحت بعدهن النساء أعينهن على مجتمع يدين للحاكم بدين الانقياد، وتحكمه الذهنية الرعوية التي يفعل بها ولا تفعل، وكدنا نفتقد في زماننا أمثال هاته المرأة التي جاءت النبي تسأله عن حج ابنها وهو صبي وتحرص على صحبته عليه السلام لعلمها أنها مسؤولة عنه وعن فطرته التي فطره الله عليها لا تبديل لخلق الله، وقد انتبه الغزالي رحمه الله إلى هذه الناحية المهمة من مراحل التربية للطفل فقال في الإحياء: "أن الصبي أمانة عند والديه و قلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش و صورة وهو قابل لكل ما ينقش فيه ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وان أهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة مربيه والقيم عليه ".
وتظل المرأة الأم رمز العطاء والتضحية والقلب الكبير، يتجاوز عطاؤها توفير الحياة المستقرة لأبنائها إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الرغبة في إنباتهم نباتا حسنا صالحا متعهدة إياهم بحسن الرعاية والتأديب على منهج الإسلام ومستهدفة إضافة لبنات جديدة صالحة وقوية في جسد الأمة.
وإن نجاح هذا الصرح المميز من الأمومة مرهون بمدى مصداقية الأم في القيام بهذه الرسالة وصبرها على تربيتهم غير شكاءة ولا ضجرة، ثم بمدى إيمانها بأن ما بين يديها من ذرية منحة من الله وعطاء، وأمانة مستأمنة عليها.

والأمومة الصالحة كلمة باقية في الأعقاب مورثة لسلامة الفطرة -وهذا أوان جهادك أيتها المومنة- أن تصلحي العمل وتصوني الفطرة.