عين على الآخرة   روح العبادة

رمضان موسم الفرار إلى الله

بقلم: خديجة مسامح
../imagesDB/6048_large.jpg

في زمن سمته القلق والاضطراب والعجلة والهرج والهوس حيث يفتقد الإنسان روحه ويتيه في عالم جسده، فيتحول إلى آلة لإنتاج المادة التي لا ينقطع نسلها حتى يفاجئ بالتي تأتي بغتة، فتلحق جسده بروحه ولكن من غير رباط ولا وثاق، إنه الفراق إلى أن تقوم الساعة فيكون الأمر لله

أن يقلق المرء وتضطرب أحواله في أمور الدنيا قد يهون أمام القلق والتربص الذي يرافق مواسم العبادة التي ما من الله بها على عباده إلا لتطبيب أرواحهم وبعث الحياة فيها، ولكن – وتعابير الأسف لاتكفي في هذا المقام - أصبحت مواسم الطاعات مبعث الهم والحزن والقلق إذ تشكل عبءا ثقيلا ثقل الجبال على العامة من المسلمين لأن الاستعداد لها أضحى مرتبطا بهموم الدنيا واهتماماتها وحاجات الجسد ومطالبه، تتضاعف النفقات ويطفو التفاخر بالملابس والمآكل والمشارب والمدخرات المجمدة وغير المجمدة، فيا حسرة على العباد ما تأتيهم من عطية ربانية إلا كانوا عنها غافلين وفيها زاهدين. فإن لم تسكن النفس في موسم الطاعة فأنى لها أن تسكن.

هذا واقع ينبغي أن يرتفع لتصحيح المسار والتذكير بحقيقة العبادة وكنهها، فالعبادة بالأساس إنما هي دعوة من الله للفرار إليه سبحانه، اتقاء أسر الدنيا وشقائها وضيق نزلها، قال تعالى: ففروا إلى الله الذاريات الآية 50، فالفرار كما قال سيد قطب "يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال وبخاصة هموم الأرزاق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود" في ظلال القرآن ج 6 ص 33 وما كانت هاته الأثقال لتغلب قوة الإنسان إلا لسيطرة الهوى ووسوسة الشيطان الذي أعلن العداوة لبني آدم حسدا وحقدا فأقسم أن ينشر بساط الغواية له مزينا بالشهوات يجذب إليه كل معجب ومشتاق فيحمله لعالم الغفلات حيث البقاء في الشقاء، لذا فالفرار منطلقه الأساس التعوذ بالله من الشيطان الرجيم واليقين التام بأن لا سلطان له على كل مؤمن قوي لأنه تحقق له الضعف من لدن القوي العزيز قال جل وعلا: إن كيد الشيطان كان ضعيفا النساء الآية 76 ومن ثم لا يضعف أمام إغواءه إلا من هو أضعف منه، فمن صدق في إرادة الهروب من الشيطان عزم على مقاومة تلبيسه، وقطع سريانه في مجاري الدماء بالصوم الكامل عن كل الشهوات والأهواء، إذ الأهواء عندما تتضافر على نفس الإنسان تفقده الطمأنينة إذ ينقطع القلب عن التفويض لله فيعيش فترات الضياع، لذا يجب قصد الوجهة إلى الله بكل حركة في الضمير وفي الجوارح وفي الحياة كلها وطلب الاحتماء بحماه والدخول في سعة رحمته ولطفه.

وهاهو شهر الخير والبشارة يطل علينا لنفر إلى الله حيث أبواب معرفته مترعة أمام الراغبين فيه، وأبواب جنانه مترعة أمام القاصدين إليها، وما الفرار فيه إلا فرار "من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا، ومن الكسل إلى التشميرجدا وعزما، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء" مدارج السالكين ص504 .

فرار من الجهل به إلى العلم به وبصفات الجمال والجلال الثابتة له علما يقينيا يعقد بالقلب قال تعالى: فاعلم أنه لاإله إلا الله فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.

وفرار من الكسل إلى التشمير بالجد والعزم، "فالعزم صدق الإرادة واستجماعها والجد صدق العمل وبذل الجهد" مدارج السالكين ص505 وقد أمر الله تعالى بتلقي أوامره بالجد والعزم، قال تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة البقرة الآية 23 إنه الاجتهاد في الطاعة وإخلاص العمل من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون الذي ثمرته الخسران المبين والندم المكين.

وفرار من الضيق إلى السعة ثقة وعزما، وهو: "هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه، وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به، وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه، يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه وتوقع المرجو من لطفه و بره، ومن أحسن كلام العامة ( لا هم مع الله)" مدارج السالكين 506 فكلما كان العبد حسن الظن بالله وحسن الرجاء له فإن الله لا يخيب أمل آمل ويضيع عمل عامل، وهذه الثقة في الله ثمرتها الطمأنينة والسكينة وانشراح الصدر وذهاب الغم والهم والحزن.

والمؤمن إنما يفر إلى الله لاعتقاد العجز في نفسه أمام قدرة القوي والافتقار لرحمته وأمنه وحفظه ولثقته في قبوله وعدم رده والطمع في إيجاد مكان له في جنة عرضها السماوات والأرض، فمن اقترب من الله شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن اقترب إليه ذراعا اقترب إليه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، فكيف بمن لبى النداء وجاءه فارا هاربا؟

تاريخ النشر : الإثنين 15 ماي/أيار 2017