مع الأسرة   أبناؤنا

هل الغش في الامتحان حق مشروع؟

بقلم: حسناء ادويشي
../imagesDB/6413_large.jpg

أضحت ظاهرة الغش ترافق الامتحانات الإشهادية بشكل مقلق في بلادنا، ووصل التطبيع مع الغش إلى درجة يعتبره أغلب التلاميذ حقا من حقوقهم، وأي محاولة لمنعهم من طرف المراقب هو غبن لهذا الحق، مما يتسبب في ردود أفعال من الممتحنين متباينة بين العنف والتهديد وقد تصل إلى إذاية النفس، وهذا يجعل مهمة الحراسة من أصعب المهمات في فترة الامتحانات بالنسبة للأستاذ، خاصة مع الوثيرة المتسارعة التي يعرفها الإبداع والابتكار في طرق الغش ووسائله والتي تستفيد بدورها من تقنيات التكنولوجيا الحديثة في التواصل والاتصال، فما الذي قلب الصورة وجعل الغش المرادف للكذب والخيانة هو الأصل وبتواطؤ خفي وجلي؟ وهل يمكن للمقاربة الزجرية وحدها أن تحد من هذه الآفة التي أفقدت شواهد النجاح في تعليمنا المغربي مصداقيتها؟

الغش ذلك الوحش الذي تهيئ له وزارة التربية والتعليم ترسانة من القوانين الزجرية، والإجراءات الإدارية والتنظيمية، والاجتماعات المتتالية، والمذكرات المحذرة والمنذرة من عواقبه، وتحشد له الحراس والمراقبين، من رباه وما هي الظروف التي قوته وجعلت من الصعب السيطرة عليه ومواكبة مستجداته وتطوراته...؟

إنه بلا شك نتيجة من النتائج المترتبة عن التخبط الذي تعرفه المنظومة التعليمية في بلدنا الحبيب، وهو انعكاس للتشوهات الفكرية والأخلاقية التي يعيشها المجتمع المنهوك اقتصاديا واجتماعيا. فالسياسة التعليمية التي جربت في المتعلم البرامج و البيداغوجيات المتنوعة والمخططات الإصلاحية-في زعمها- لم تفرز نتائجها في النهاية إلا الفشل والتراجع إلى أحط الدرجات والترتيبات، هذا الفشل الذي من أهم مظاهره ضعف المستوى التحصيلي لدى المتعلم ، وهو ضعف يبدأ من السلك الابتدائي وتتوسع دوائره لدرجة تصعب معها المسايرة في المستويات الموالية، لأن هذا الضعف يوهن قدرة المتعلم على الاستيعاب ويعرقل عملية تعلمه، ولإن الذي تم إفساده في سنوات يصعب تداركه وإصلاحه- في نظر المتعلم – يلجأ إلى الغش باعتباره الحل السهل الذي يخفف عنه الضغط، مادام المعول عليه في النهاية هو النقطة الموجبة للنجاح وليس مستوى المتعلم، فهو ضحية لسياسة تعليمية لم تؤهله إلى المستوى الذي يكون واثقا في مؤهلاته و كفاياته ومعتمدا على مكتسباته، وهو في الوقت ذاته ابن مجتمع تنخره البطالة وينال أصحاب الشواهد الحظ الوافر منها ومن هراوات المخزن إن هم رفعوا أصواتهم للمطالبة بحقهم في الشغل، وهذا أيضا يحبطه ويقتل فيه روح الجدية واستشراف المستقبل المشرق الذي ينتظر عطاءه المخلص والصادق، هذا المجتمع الذي تعاني فيه أسر كثيرة من الفقر والأمية، فهم لقمة العيش يجعلها تغفل عن المتابعة الفعلية لدراسة أبنائها، وإن هي فعلت صدمت بثقل تكلفة "ساعات الدعم الإضافية" التي يحتاجها أبناؤهم لتدارك الضعف في بعض المواد علهم يتمكنون من الحصول على النقط التي تؤهلهم لولوج المعاهد العليا لمتابعة تعليمهم العالي، لأن الجامعات المغربية لم يعد يلجها غالبا إلا من لو يجد مقعدا في سواها بعدما اقترنت في ذهن الكثيرين بالبطالة والنضال أمام البرلمان. هذه بعض الأسباب التي يتخذها بعض الآباء ذريعة لتفسير تغافلهم عن غش أبنائهم بل مساهمة بعضهم في ذلك. فتختلط قيم إصلاح النشء وتربيتهم على المكارم والفضائل العالية التي لا يستقيم طلب العلم بدونها، بالرغبة الملحة في النجاح لأنه في نظرهم سبيل الحصول على العمل والوسيلة المنجية من شبح البطالة، مما يسوغ للضعفاء اختيار وسائل غير شريفة للوصول إلى المبتغى.

فأي مجتمع سنبني وأية أمة سنكون في المستقبل إن تربى أبناؤنا على الغش والخيانة؟ وأية قيمة للاختبارات التقويمية إن كان المكتوب في الورقة هو نتاج لعملية غش فلت صاحبها من عين الرقيب الآدمي؟

هي أسباب كثيرة إذن لاستفحال ظاهرة الغش، ونتائجها وخيمة على المتعلم وعلى المجتمع كله مستقبلا، لذلك تحتاج إلى حلول جذرية تستأصل المرض من جذوره ولا تداوي الأعراض فقط، فإصدار القوانين وتشديد العقوبات وتطوير آليات المراقبة تبعا لتطور وسائل الغش ما هي إلا وسائل لعلاج ظاهري لا يصل إلى عمق الداء، وإنما الأمر يقتضي معالجة شمولية تلامس المتعلم تربويا وتعليميا ونفسيا واجتماعيا وأخلاقيا، موازاة مع العمل على الرفع من المستوى التحصيلي للمتعلم مما سيمنحه الثقة في نفسه فيعتمد على مكتسباته، وهذا يتطلب جدية في النهوض بالتعليم في المغرب وإرادة سياسية حقيقية للرفع من مستوى التعليم في بلدنا الشيء الذي لازلنا ننتظره في أفق مستقبل الأيام .

تاريخ النشر : الخميس 11 ماي/أيار 2017