قضايا وأحداث

رقص الطيور المذبوحة وصمت البراكين المحرقة

بقلم: فاطمة لعسيري
../imagesDB/6419_large.jpg

يقول الشاعر:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا

إنها لنذير البراكين الصامتة المحرقة للأخضر واليابس: ظاهرة الحرق والشنق المستمرة، والتي تعالت وثيرتها في الآونة الأخيرة، في مغرب المسرحيات الهزلية التي تزين في عيون الحيارى طيف الألوان الجميلة الأحلامية... ثم يجيء قوم آخرون يقطفون الأزهار، ويجنون الثمار، وتبقى الرعية المكدودة مسلوبة الإرادة، نكرة في قطيع، حقها الوحيد: بنزين وعود ثقاب. إنه الاستقرار الملون بالأحمر والأصفر: لون الدم والنار.

سياسة الحرق الممنهج التي اشتد لهيبها ليغطي مسافات كبيرة من الوطن حرق هنا وهناك... فهل أضحى الحرق موضة القرن العاض المستبد، أم أنه فن من فنون الرقص على الأحزان فوق صفيح ساخن أم أنه وصف لحال يقول :

لا تحسبوا رقصي بينكم طربا
فالطير يرقص مذبوحا من الألم

أم أنه النزوة المستبدة، والإرادة العلية، التي لا تناقش ولا يقف أمامها شيء... نزوة كهنة البلاد، وسدنة معبد اللات والعزى الذين يبيعون خيرات البلد ليملأوا بطونهم الحرامية، فتنتفخ أوداجهم بطرا ورياء وظلما وفسادا، ويزداد ابن البلد طحنا وحكرة فيصير الحرق عنده راحة.

أجساد شابة تفضل التعبير الإيمائي في منظر رهيب للثمالة المحزنة، يحرك في داخل المقهورين آلامهم في مجتمع البرودة الإنسانية، والحقوق الجافة القاتلة، وشح النفوس والأنانية البخيلة، والعمران المظلم المفكك للجوار، وانصباغ الأخلاق بصبغة النماذج اللاهية العابثة، وصمت القطيع المخدر بالوعود الزائفة، المقموع السائر إلى حيث يسوقه فراعنة الوطن، فرعونية تقول وتفعل ولا راد لقولها وفعلها.

وإننا إذ نعايش هذا الحال نقف لنسائل فقهاء القانون في هذه المعضلة.

من أحرق هؤلاء؟؟؟ من ألجأهم مضطرين للشنق والحرق؟؟؟ و نقف أيضا لنسائل كل من عنده عرق مرحمة وغيرة ينبض : إلى متى ستقف متفرجا؟؟؟

... في يوم من تاريخ الكرامة الإنسانية، ولما كان العدل سيدا يحمي المستضعفين، جاء غلمان حاطب بن أبي بلتعة قد سرقوا ناقة فنحروها وأكلوها، قد ألجأهم الجوع لفعل الخطيئة. فاستوقفهم الفقيه العادل عمر بن الخطاب وألزم سيدهم حاطبا بدفع ثمنها مضاعفا لصاحب الناقة، وحذره بإقامة العقاب عليه إن أجاع غلمانه ثانية فألجأهم للسرقة[1].

و الذي ألجأ الكثير للحرق و الشنق ظلما و قهرا فعلى أي قانون نعرضه؟؟؟

قانون الحق يقول : "من استجهل مؤمنا فعليه اثمه" ، وكل من استخفك فقد استجهلك وحملك على فعل المكاره حتى في نفسك.

وقانون سنة التاريخ يقول : أن كل دولة ظالمة، ظلمها آذان بخرابها.

وإننا هنا لسنا نبيح الشنق والحرق ولا ننشر ثقافة اليأس ولكن نقيس الأحكام بالأحكام، ونقدر الحال بالمقال، ونسائل قانون الحساب والعقاب، من أحرق هؤلاء وألجأهم للتمرد على أجسادهم؟؟؟

ـ سطوة الناهبين الذين هم دون السؤال والمحاسبة، المتسلطين على رقاب الناس كأننا عبيد في ضيعة سيد.

ـ حبل الجهل الذي يشنق به الظالم أعناق المغلوبين فيسوقهم على أنهم البلداء الخرق، الصم البكم الذين لا يعقلون.

ـ قوانين جائرة لا تعرف سوى سياسة التدجين على أننا الأفراخ التي لم تزغب وفي العش لا تزال، وعن الأوحال لا تطير.

وإننا من وسط آلام الشعب نكتوي بآلامه ونقول : آن الوقت أن يتخلى محترفو السياسة عن اللعب وراء ظهر الشعب ليطعنوه طحنا وحرقا وشنقا.

فلسنا فراشات حائمة عائمة ولا ذبابا مغامرا انتهازيا يلتقط فتات الموائد. ولكننا أصحاب حق راسية أقدامنا متجذرة أصولنا في هذا الوطن نتنفس الكرامة وراثة وأصالة.

تستوقفنا هذه الأوصاف والأوضاع الناطقة عن حالنا حيث الاستخفاف بنا شاهد....لا، ولن نقف في زاوية المتفرج على الألم، وسنساند وبكل قوة كل المحروقين جسدا والمحترقين ألما وقهرا ونقف مصطفين معهم حتى تزول الغمة ويرفع عنهم الضيم وندعو فقهاء القانون وعلى رأسهم العقلاء والفضلاء والحكماء لمحاسبة المجرمين الضالعين في الطحن والشنق والحرق الممنهج. ونهيب بكل الغيورين على استقرار هذا الوطن إلى تشكيل جبهة مجتمعية مناهضة لكل أشكال الظلم والاستبداد، مصطفين إلى مطالب الشعب حتى يسترجع حقوقه وينعم بكرامته. وعلى كل أبناء الوطن وبناته أن يمدوا جسور المحبة الإنسانية واليد الحانية لبعضهم البعض ليسدوا ثغرات الجفاف الروحي ، ونرجع ثقافة الأمل والحضن الدافئ الرحيم. وهذا لن يتأتى إلا برفع الإقامة الجبرية عن المساجد حتى تؤدي دورها المنوط بها في تربية الجيل على المرحمة وخيري الدنيا والآخرة، وبإعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية والرفع من قيمة الأستاذ المربي لمحاربة الجهل القاتل في صمت، الناخر في عمود بناء الشخص القويم المستقيم، مع تطهير كل القنوات الفضائية وإعلام الاستدمار، الناشر لثقافة الفرجة على الأعراض وتخدير الناشئة واستحمار العباد.كما نهيب بكل ذي نفس رحيم وكبد رطب من أب وأم وأخ وأخت وأهل وعشيرة إلى التعاون معا لتربية الناشئة وتسييجها بسياج أخلاقي مانع عن السقوط في مهاوي الرذيلة واليأس من الخير ليكونوا لنا قرة أعين لا سخونة حياة.

وختاما هذه أيادينا نمدها لكل الفضلاء والفضليات، تعالوا نؤسس معا لوطن يتعالى عن سفاسف ورذائل السياسات والانتماءات لنرسو جميعا حيث بر الأمان والعدل والحرية والكرامة.

.....وإلى حين أن يجتمع شملنا سنبقى أوفياء لمبادئنا منافحين عن المظلوم حتى ينتصر من الظالم. فتلك رابطة ووثاق، ما منها فراق إلى أن يأذن الله بالفرج والصبح القريب.

تاريخ النشر : الثلاثاء 9 ماي/أيار 2017

[1] هذا الأثر رواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الأقضية.