نساء صدقن

السيدة زينب الغزالي

بقلم: نادية بلغازي
../imagesDB/6099_large.png

هي امرأة صالحة عالمة وفقيهة وعت رسالتها بقوة وعزم، فجعلتنا نوقن أن الخير في الأمة موصول، وأن نماذج الشموخ والعزة بالله التي كانت واقعا في مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعده من خير القرون، يمكن أن تنبعث من جديد لتذكرنا بزمن المرأة الجميل حيث الفاعليةُ والقوة.

تربت في بيئة عبقها القرآن ومحبة المصطفى العدنان، وغايتها نصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، نالت حظها من الابتلاء حين أُنزلت عليها كل أصناف التعذيب والتنكيل في السجن الحربي في العهد الناصري البائد، فوقفت بشموخ المعتز بالله دون أن يفتر عزمها، أو يتردد إيمانها بقضيتها التي نذرت لها عمرها، قضية التوحيد وعبادة الله وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعودة الخلافة الإسلامية.

هي نموذج من نماذج النساء الخالدات التي حرصت على كل الكمالات العلمية والتربوية والجهادية والأخلاقية اقتفاء بخيرة النساء.

هي علم من أعلام العصر، وملحمة من ملاحم الدهر، وقفت بقوة في وجه الطغيان وقالت لرسول جمال عبد الناصر بعد أن رفضت مقابلته: "أنا لا أصافح يدا تلوثت بدماء الشهيد عبد القادر عودة" ، هي صاحبة الكتاب الشهير "أيام من حياتي"، و"نحو بعث جديد" و"نظرات في كتاب الله" فمن تكون؟

هي زينب محمد الغزالي الجبيلي، ينتهي نسب والدها من أبيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأما نسب أمها فينتهي إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما.

درجت في بيت صدق وعدل، وتربت على المكارم والجرأة في الحق، وقد كان أبوها، العالم الأزهري، يلقبها بنسيبةَ بنتِ كعب المازنية، حرصت على متابعة دراستها بعد موت أبيها على الرغم من معارضة أخيها الأكبر، ومن المواقف الطريفة التي تحكيها سيرتها والتي تعبر على طينتها المتميزة أنها طرقت باب مدرسة حكومية وهي بعد لم تتجاوز الاثني عشر ربيعا، وطلبت مقابلة مديرها الذي أعجب بفطنتها ويقظتها وهي تخاطبه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا السيدة زينب الغزالي، ولقبي نسيبة بنت كعب المازنية" وسردت عليه قصتها، وطالبها بالإتيان بأخيها علي لكي يسجلها وهو الذي كان يساند تعليمها.

تلقت كذلك علوم الدين على يد مشايخ من الأزهر الشريف فبرعت، كما تلقت الخطابة والإلقاء عن والدها رحمه الله، ومزجت بقوة بين التعليمين الحديث والأصيل.

كانت مناهضة للظلم المسلط على المرأة، وبدا لها أن انضمامها إلى الاتحاد النسائي بزعامة هدى شعراوي هو السبيل المناسب لرفع مظلومية النساء، موقنة أن هذا التحرر ينبغي أن يكون ضمن الإطار الإسلامي، لكن ما السبيل؟

كانت لها مناقشات عميقة مع الكثير من علماء الأزهر، وعلى رأسهم الشيخ محمد النجار الذي قوم في ذهنها الكثير من القناعات، فشاء الله سبحانه أن تؤسس جمعية السيدات المسلمات عاهدت الله عز وجل أن تخدم من خلالها ومن خلال منبرها مجلة السيدات المسلمات الأسبوعية الدعوة الإسلامية، وأن تنصر المرأة وتؤهلها لتنبعث من جديد، متمثلة نموذج الصحابيات الجليلات. وقد كانت حينئذ لا تتجاوز العشرين من عمرها، وقد أنقذها الله الشافي من سقم عظيم بعد أن انفجر في مطبخها موقد الغاز فاحترقت كلا، وأعيا الأطباء العلاج فنذرت نفسها لله.

انضمت بعدها مباشرة لجماعة الإخوان المسلمين، إيمانا منها بعمق المشروع وسماحة وجهته وسداد مؤسسه، كما حرصت على بث العلم وتدريس العلوم الشرعية في أشهر مساجد القاهرة، فبدأت سلسلة الابتلاءات التي يمتحن الله سبحانه بها صدق المعدن وصفاء الإيمان، مصداقا لقول الحق في مستهل سورة العنكبوت: بسم الله الرحمن الرحيم ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ، فأُرضخت لكل أصناف العذاب مع إخوة لها في المعتقد والمبدإ، بإشاعات باطلة لتأليب الجماهير، على غرار أنظمة الإفك في كل عصر ومصر، منها التخطيط لاغتيال الرئيس، فلبثت في السجن بضع السنين من سنة 1965 إلى سنة 1971 إذ تلقفتها العناية الإلهية بعد موت عبد الناصر، ومن صور التعذيب التي روتها في كتابها "أيام من حياتي": "فتح باب لحجرة مظلمة فدخلت وقلت: بسم الله السلام عليكم.. وأغلق الباب وأضيئت الكهرباء قوية !! إنها للتعذيب! الحجرة مليئة بالكلاب! لا أدري كم !! أغمضت عيني ووضعت يدي على صدري من شدة الفزع .. وسمعت باب الحجرة يغلق بالسلاسل والأقفال .. وتعلقت الكلاب بكل جسمي.. أحسست أن أنياب الكلاب تغوص فيه .. فتحت عيني من شدة الفزع وبسرعة أغمضتهما لهول ما أرى .. وضعت يدي تحت إبطي وأخذت أتلو أسماء الله الحسنى... وأخذت أنادي ربي هاتفة: "اللهم اشغلني بك عمن سواك... اشغلني بك أنت يا إلهي يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد.. خذني من عالم الصورة.. اشغلني عن هذه الأغيار كلها.. اشغلني بك.. أوقفني في حضرتك.. اصبغني بسكينتك.. ألبسني أردية محبتك.. ارزقني الشهادة فيك .. والحب فيك والرضا بك والمودة لك وثبت الأقدام يا الله .. أقدام الموحدين " كل هذا كنت أقوله في سري .. والكلاب ناشبة أنيابها في جسدي. مرت ساعات ثم فتح الباب وأخرجت من الحجرة.. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة بالدماء.. ولكن ويا لدهشتي، الثياب.. كأن لم يكن بها شيء .. سبحانك يا الله أنت معي.. يا الله هل أستحق فضلك وكرمك ؟.." " كان هذا فصلا من فصول التعذيب المتعددة، التي ما زادت نسيبة القرن العشرين إلا صلابة وعزما وإيمانا برسالتها التي نذرت نفسها لها.

اشتهرت زينب العزالي بعبادتها لله وتبتلها بين يديه، وهي التي حجت 39 مرة واعتمرت مائة مرة، كما اشتهرت بأعمال البر التي كانت تحسن بها إلى الخلق عيال الله، كما كانت صلتها بكتاب الله وطيدة حتى إنها صرحت بعد صدور كتابها "نظرات في كتاب الله" الذي يزين المكتبة الإسلامية جنبا إلى جنب مع باقي كتبها الأخرى من أمثال "أسماء الله الحسنى" و"غريزة المرأة: "أنا أحببت القرآن حتى عشته، فلما عشته أحببت أن أدندن به لمَن أحب ، فدندنت بعض دندنة المفسرين، ولا أقول إني مفسرة، ولكني أقول: إنني محبة للقرآن، عاشقة له، والعاشق يدندن لمن يحب، والعاشق يحكي لمن يحب، ويجالس من يحب، ويعانق من يحب، فعانقت القرآن، وتحدثت به وله في جمع الملايين من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وعشت أدندن به في المساجد لأكثر من ستين عاماً، أي عمر الدعوة التي أسستها في المساجد منذ 1937" .

لم تمنعها رحمها الله انشغالاتها الدعوية من الكتابة والتأليف والعناية ببيتها الذي كان متميزا بالبساطة والجمال والذوق الرفيع.

التحقت بالرفيق الأعلى سنة 2005 عن سن تناهز الثمانية والثمانين، بعد حياة طابعها الشموخ والعزة بالله والدعوة إليه.

ولا جدال في كون وقوفنا عند سيرة هذه الشخصية المتميزة إنما قصده بعد ذكر الصالحين الذي تتنزل به الرحمات استخلاص العبر والدروس منها:

- الخير في الأمة لا ينقطع.

- لا غنى للداعية إلى الله من أن يكون مدرسة قرآنية، لأن كتاب الله منطلق الفهم، وموقد العزم، ومصدر تعلم الصبر، وسلامة الصدر.

- كلما استشرفت المرأة المسلمة نماذج الكمال ارتقت وعانقت بهمتها عنان السماء.

- من السنن الثابتة التي لا تتأخر في حياة الأمم والشعوب والتجمعات، هذا الصراع الدائر بين الحق والباطل.

- العاقبة للمتقين.

- بناء دولة الحق يحتاج إلى سواعد الرجال والنساء في إطار الولاية العامة بين المؤمنين والمؤمنات.

- لم تخلق المرأة لتنشغل بهمومها الفردية بعيدا عن بناء أمتها.

- لا يمكن لانشغالات المرأة الحركية أن تحول دون طلبها العلم والعناية بجمالية بيتها وتربية أبنائها لأن في ذلك استقرار للدعوة، ودون ذلك تربية سليمة ينبغي أن تتلقى فهي الشرط الأسبق والمطلب الأوثق الذي ينبغي للمنتسبين للدعوة مراعاته لما له من أثر في بناء الشخصية السوية والدعوة القوية.

- للمرأة قضية نعم، لكن قضيتها ليست ضد أخيها الرجل بل ضد الظلم الجاثم عليهما معا، ولا انعتاق للمرأة يرجى إلا بما انعتقت به المرأة التي جاء الإسلام ووجدها لا تعد شيئا فذكرها القرآن ورباها النبي الأكرم وحررها واعتبر أكبر حقوقها حقها في معرفة الله تعالى.

- ليست الموعظة وحدها كافية لدعوة الناس وتقويم اعوجاج سلوكهم، بل إلى ذلك تضاف الكلمة المبشرة واليد الحانية والقلب الرحيم الذي يحتضن همومهم ويلبي مطالبهم، لأن أذن الجائع لا يسلك فيها إلا نداء ينادي بالخبز.

إذا كانت السيدة زينب الغزالي قد أفنت حياتها في التبليغ عن الله ورسوله والدعوة إلى التوحيد ورجاء عودة الخلافة الإسلامية، فإن انتصار الدعوة وظهور الدين واقع يظهر في الأفق بعز عزيز أو بذل ذليل، فذلك وعد الله الذي وعد به حزبه وجنده، وبشارة عودة الخلافة على منهاج النبوة يقين توقن به الأجيال المؤمنة يقينها في الله عز وجل وصدق رسالته: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، ودون ذلك عقبات ينبغي أن تقتحم، وهمم ينبغي أن تشحذ، وكتاب الله الذي ينبغي أن يترك الرفوف لتعانقه القلوب وكان أمر الله قدرا مقدورا، والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر : الخميس 4 ماي/أيار 2017