عين على الآخرة   روح العبادة

مابين العبادة والمعاملة

بقلم: أميمة حماس
../imagesDB/6536_large.jpg

كم من مسلم تراه عابدا ذاكرا لا يفوته صيام أو قيام، لكن للأسف تجده جافا، قاسيا، عبوس الوجه. هل لأن العبادة بالنسبة له أصبحت عادة، فلم تعد تظهر في معاملته تلك الرقة التي تضفيها كثرة العبادة؟ هل حقا يمكن أن تصبح العبادة عادة؟

ما أكثر عدد المرات التي سمعنا فيها هذه العبارة (العبادة أصبحت عادة)، قد نكون مللنا سماعها وسماع الحلول التي تنقلنا من الانغماس في عادة العبادة. من وجهة نظري تلك لم تعد المشكلة. المشكلة في قلوبنا، في أرواحنا التي غاب عنها عشق الله. هل كثرة العبادة تجلب حب الله؟ أي نعم، بشرط أن تعبد الله بحب. لكن قد نجد من صلحت عبادته على قلتها، وقد يكون من أحب الخلق عند الله عز وجل، لأن صدق القلب وصفاءه يصعد به في مراتب العشق الإلهي. تسمو الروح بحب المولى ومعها تسمو معاملته لأخيه. فقد جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ”" .

وقد قال الإمام المجدد رحمه الله في معنى هذا الحديث: "إن لله عز وجل أولياءَ يذكرهم كما يذكرونه، ويتقربون إليه فيتقرب إليهم، ولا يزالون على ذلك حتى يحبَّهم. مما يتقربون به إليه في الدنيا الحب فيه، والبذل فيه، والزيارة فيه، والتجالس فيه. ويحبهم تعالى فتحبهم لحبه ملائكته، ويحبهم لحبه أهل السماء والأرض" [1].

فبماذا سيحبه أهل الأرض؟

سيحبونه بحسن معاملته، سينجذبون لذلك النور الإلهي الذي يشع من وجهه. فالدين المعاملة، والرسول عليه الصلاة والسلام كان قرآنا يمشي على الأرض.

فلماذا وُصف الحبيب صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف؟

لأن تعامله وأخلاقه وسلوكاته كانت من القرآن. وإذا تمعنا القرآن جيدا سنجد أن أغلب كلام الله عز وجل جاء في المعاملة والباقي كان في الأحكام المتعلقة بالعبادة. العبادة أمر واجب ومحتم وهي الصلة الواصلة بين العبد وربه، وفي نفس الكفة يجب أن يكون تعاملنا إسلاميا محضا راقيا.

فما فائدة العبادة إن لم يكن هناك تطبيق لكل معانيها؟ وما فائدة المعاملة الجيدة والإسلامية إن لم تكن هناك عبادة خالصة صادقة؟

فما أجمل أن ترى العشق الإلهي متمثلا في تعامل المسلمين ومتجسدا في عبادتهم. قال الله تعالى: وقولوا للناس حسنا . وجاء أيضا في الحديث: "عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال: ” إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”" [2]. ا"لخيار يقولون للناس حُسنا، ويفعلون حسنا، ويكفون أذاهم عن الناس" [3]."

" أحبوا خلق الله يحبكم الله. وكما قال شمس تبريزي: "لا حكمة من دون حب، وما لم نتعلم كيف نحب خلق الله، فلن نستطيع أن نحب حقا ولن نعرف الله حقا" .

أخيرا، فلتكن عبادتنا راقية بحب الله، فعبادتنا هي معاملة مع الله، ولتكن معاملتنا مع الناس عبادة.

تاريخ النشر : الأربعاء 3 ماي/أيار 2017

[1] تنوير المومنات ج 2: 31.
[2] رواه مسلم.
[3] رسالة إلى الطالب والطالبة: 35.