مع الأسرة   أبناؤنا

السلام عليك يا أماه

بقلم: نادية بلغازي
../imagesDB/6099_large.png

كلمات منيرة مشرقة بنور البر وأوار الاعتراف بالجميل، نطقها من جاهد لحمل علم النبوة الشريف بلزوم أعتاب النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم تعلما وحفظا واقتداء، وكأنه يريد أن يتدارك ما فاته بتأخر إسلامه إلى حدود السنة السابعة عام فتح خيبر.

تحكي كتب السنة الشريفة كيف أن أبا هريرة رضي الله عنه لا يبرح منزله ولا يدخل إليه إلا بعد أن يلقي بين يدي أمه رضي الله عنها كلمات تنطق بتمام البر والطاعة: "السلام عليك يا أماه، رحمك الله كما ربيتني صغيرا" فتجيب بكلمات تبادل حبا بحب وبرا ببر: "وعليك السلام يا بني، ورحمك الله كما بررتني كبيرا" .

كلمات مشرقات نكررها يا أماه في يوم ذكراك، وأيام زماننا كلها ذكرى بين يديك تنطق حبا وتعظيما وإجلالا وتقديرا لما أسديت. نكررها يا أماه لأنك أهل لكل جميل.

السلام عليك يا أماه لِما حملت ووهنت.

السلام عليك يا أماه لما ربيت وسهرت.

السلام عليك يا أماه لما نظفت واعتنيت.

السلام عليك يا أماه لما آثرت وفضلت.

السلام عليك يا أماه لما راعيت وصنعت.

السلام عليك يا أماه لما ضاحكت ولاعبت.

السلام عليك يا أماه لما علمت وحافظت.

السلام عليك يا أماه لما نصحت ووجهت.

سلام من رب سلام مختوم بمسك الرضا والقبول والكرم.

أرجو ألا نكون بحاجة إلى فراقك أماه كي ندرك كم نحبك فأنت منبع الحب والحنان، لستِ بحاجة إلى البعد عنا لكي تدركي أن لك قلبا دافئا معطاء يغمرنا حبا.

أرجو، أماه، ألا نحتاج إلى فراقك لكي ندرك قيمة وجودك بيننا، أنت باب الجنة الذي أرجو ألا يوصد، ومعبر القرب الذي أتمنى ألا يتقوض، أنت نحن ونحن عدم بلا أنت.

وإن طال المكث بنا في مدحك لن نوفيك حقك يا أماه وقد ربط الله تعالى بين الغاية من وجود الخلائق وواجب برك، لن نوفيك حقك أيتها الغالية وإن حججنا بك على ظهورنا - ونِعم الراكبة أنت - مرات ذوات العدد راغمين متذللين بين أعتاب قدسيتك، لن نوفيك حقك كاملا يا أماه وإن جبنا بك الأرض شرقا وغربا... فاسمحي لنا يا أماه أن ندعو الرب المنان ذا الجود والكرم أن يوفيك أجرك، ويعظم نوالك، ويجزل عطاءك فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة، وائذني لنا يا أماه أن نتواصى نحن أبناؤك ببعض آداب التعامل في حضرتك.. وفي حضرتك أبتاه؛ فإنك رفيق الدرب والصاحب في السفر، سفر التواد والتراحم واللقاء على أفضل العزائم والمسؤوليات الجسام، سفر التربية والتضحية والبناء، بناء الأجيال وصناعة الأجيال إلى حين النداء ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون [1]والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء [2].

في حضرة الوالدين

- الإحسان إليهما وعدم التضجر منهما خاصة عند الكبر والمرض والضعف والسقم، فهذا مفهوم قول الله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [3].

- السلام عليهما بكل أدب وتقبيل يديهما ورأسيهما.

- خفض الصوت بين يديهما وعدم مقاطعتهما وبسط الوجه في حضرتهما.

- التفاني في خدمتهما وقضاء حوائجهما والإكثار من شكرهما أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [4].

- عدم التقدم أمامهما عند المشي سويا إجلالا لهما وتعظيما لمقامهما.

- التلطف في مخاطبتهما، فهذا مسلك الأنبياء عليهم السلام ومنهج الأتقياء، ولنا في كتاب ربنا أجل مثال في خطاب سيدنا إبراهيم عليه السلام لآزر وقد كان مشركا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا [5].

- الرفق بهما والنظر إليهما بلطف ورحمة فـ"ما من ولد ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة" كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، قالوا: "وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: نعم، الله أكبر وأطيب" .أخرجه البيهقي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما.

- لزوم طاعتهما ما لم يأمرا بمعصية مثلما أوصى عليه السلام بعض أهل بيته قال: "لا تشرك بالله وإن عذبت وإن حُرِّقت، وأطع ربك ووالديك، وإن أمراك أن تخرج من كل شيء فاخرج" . [6] وقد ضرب سيدنا إسماعيل عليه السلام أروع الأمثلة في الطاعة والفداء حين استجاب لرؤيا والده عليه السلام ففداه الله سبحانه بذبح عظيم: قال يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين [7].

- إدخال السرور عليهما، وعدم نقل الأخبار التي من شأنها أن تكدر صفوهما، وحفظ أسرارهما ومشاورتهما.

- تعهدهما بالهدية المادية والمعنوية والإكثار من الدعاء لهما، ولنا في سيدنا نوح عليه السلام عظيم القدوة حين قال: رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات [8].

- التأدب عند الأكل معهما -ومع غيرهما-وعدم البدء قبلهما إلا بإذنهما، وإيثارهما بالألذ والأطيب من المطعم والمشرب.

- تعظيم حقهما وعدم تفضيل أحد من الأهل والأقارب عليهما.

- الاستمرار في برهما ولو بعد موتهما كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في الأدب عن أبي أسيد رضي الله عنه قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم، خصال أربع: الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قِبَلهما" .

هذا غيض من فيض نتواصى به يا أعز ما لدينا ولكما منا كامل التعظيم والمنى.

والسلام عليك يا أماه، والسلام عليك يا أبتاه.

تاريخ النشر : الثلاثاء 21 مارس/آذار 2017

[1] الزخرف، 70.
[2] الطور، 19.
[3] الإسراء، 23.
[4] لقمان، 13.
[5] مريم، 45.
[6] أخرجه البيهقي رحمه الله عن أم أيمن رضي الله عنها.
[7] الصافات، 102.
[8] نوح، 30.