منطلقات

الأسس الفكرية لقضية المرأة

بقلم: محماد رفيع
../imagesDB/6422_large.jpg

مقدمة: في تحديد طبيعة الموضوع

قضية المرأة قضية مركبة لا يمكن اختزالها في صراع ذكور المجتمع مع إناثه، وإنما هي قضية مرتبطة بالمجتمع ارتباط الجزء بالكل، بحيث تنحط المرأة بانحطاط المجتمع وتنهض بنهوضه.

فالمرأة المسلمة – تحديدا – انحطت تاريخيا بانحطاط مجتمعها، وهذا بانحطاط نظام حكمه السياسي، وتولد عن ذلك انحباس الفقه المؤطر للموضوع في جزئيات الشريعة منفصلة عن هدي كلياتها، ثم آل الأمر إلى سد باب الاجتهاد.

وتأسيسا على ما سبق، فإن ما آل إليه وضع المرأة المسلمة لا يمكن أن يفهم إلا في سياقه التاريخي المجتمعي الفقهي العام، فالمرأة التي انتقلت بمقتضى رسالة الإسلام من الوأد والمهانة زمن الجاهلية إلى مرقاة الولاية العامة مربية ومعلمة ومشاركة في البناء العام والجهاد زمن النبوة والخلافة الراشدة، سرعان ما تراجع وضعها وانتكس وانحبس حتى أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور وكما مهملا.

وحين حاولت أن تنتفض وتسترجع كرامتها لم تجد أمامها إلا نموذج المرأة الغربية المهيمن الغالب ونسيت أن المقايسة غير ممكنة لاختلاف القضيتين وأسبابهما.

فالمرأة الآن وجدت نفسها بين نوعين من المآسي: مآسي المخلفات الانحطاطية ممثلة في المعاملة المهينة للمرأة البدوية، والأمية الأبجدية، والجهل، والأجور البئيسة، والتعدد الاعتسافي، والطلاق الجائر و…ومآسي التغريب الحضاري الطارئة ممثلة في التبرج والخلاعة والدعارة والجرأة على الدين والتمثل بالأوروبيات، وهذه المآسي متفرعة عن الأولى ومتولدة عنها.

وقد ظهرت مشاريع تحرير المرأة من المخلفات الانحطاطية والتقاليد البالية بما فيها الدين منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، وذلك كرد فعل عنيف على الوضع المأساوي للمرأة، غير أنها مشاريع لا تخرج عن دائرة مشاريع الإلحاق الثقافي والاستتباع الحضاري الغربية، ولذلك كانت غاية ما في مضمون هذه المشاريع التحريري نقل المرأة من وضع مأساوي إلى درك ثان من المأساوية.

وما زالت معالجة قضية المرأة يتنازعها الآن مشروعان متناقضان يجادل كل واحد منهما عن أحقيته في رفع لواء تنوير المرأة والانفراد بمعالجة قضاياها: مشروع ينشد التنوير انطلاقا من جوهر الذات الحضارية للأمة التي تنتمي إليها المرأة، وهو المشروع الإسلامي، ومشروع يلتمس التنوير خارج الذات الحضارية للأمة من خلال قيم الثقافة الغربية، وهو المشروع الحداثي.

و جماعة العدل والإحسان رافد رئيس من روافد الحركة الإسلامية المغربية، تحمل مشروعا فكريا اجتهاديا يمتاز بالنسقية والتكامل وقوة الوضوح والأصالة في إدارة مختلف الإشكالات والقضايا الكبرى، ومنها قضية المرأة، فما الأسس الفكرية التي تتأسس عليها هذه القضية ؟

الأساس الأول : المرأة والموروث التاريخي :

ترى جماعة العدل والإحسان أن ما آل إليه وضع المرأة المسلمة لا يمكن أن يفهم إلا في سياقه التاريخي المجتمعي، فالمرأة التي انتقلت بمقتضى رسالة الإسلام من الوأد والمهانة زمن الجاهلية إلى مرقاة الولاية العامة مربية ومعلمة ومشاركة في البناء العام والجهاد زمن النبوة والخلافة الراشدة، سرعان ما تراجع وضعها وانتكس وانحبس، حتى أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور وكما مهملا، واختزلت في جسد يلبس وقوام يجذب ورحم ينجب ولسان يشكر وينقلب ويكذب، وأيد تطهو وتغسل وتمسح حسب تعبير مصطفى حجازي في كتابه ” سيكولوجية الإنسان المقهور”.

فما العوامل المركزية التي أسهمت في إسقاط المرأة من علو ما كانت عليه زمن النبوة والخلافة الراشدة إلى درك ما آل إليه وضعها منذ زمن وإلى الآن ؟

1- العامل السياسي

نجمله في صدمتين تاريخيتين تعرض لهما بنيان الأمة تصدع بقوة دويهما كيانها ووجودها الحضاري :

ا – الصدمة الأولى

الانحراف الخطير المبكر في تاريخ الأمة الذي تحول – من جرائه – الحكم السياسي للأمة من نظام الخلافة القائم على الشورى والعدل والإحسان وبيعة الاختيار ضمن قيود الشريعة وسيرا على منهاج النبوة، إلى ملك وراثي عاض يعتمد القهر والغلبة والتعسف أساسا، ويعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه .

هذا الحدث الصدمة شكل تاريخيا البداية الفعلية لمسلسل النقض لعرى المجتمع الإسلامي الذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم, ووطد أركانه خلفاؤه الراشدون من بعده , حيث انقلبت المفاهيم وتبدلت القيم , وأسس الحكم الوراثي – الأموي ابتداء – لثقافة القهر والسيف والإذلال المحددة لطبيعة العلاقة العمودية بين السلطة الحاكمة وجماهير الأمة , وتفرعت عنها علاقة قهرية أفقية بين المرأة والرجل على مستوى الأسرة , وهذه العلاقة الأفقية تغذي تلك العمودية وتعمل على استمرارها

وبذلك تهيأت الأجواء داخل المجتمع ومع عامل الزمن لاحتقار المرأة وتهميشها واختزالها في جسدها .

ب – الصدمة الثانية

وتتمثل في الانحراف الأخطر اللاحق المتمثل في الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين , وهو حدث شكل النتيجة المآلية لمقدمة سابقة وهي الانحراف الأول , فكانت هذه الصدمة أقوى من سابقتها في إرباك البلاد والعباد، كما كانت إيذانا بدخول الأمة في مرحلة جديدة تمزق فيها الوطن وامتسخ فيها الإنسان رجالا ونساء بعد أن تاه في انبهار شديد بالنموذج الغربي المتفوق الغالب الماثل بين يديه، فتر سخت في النفوس قابلية انتحال نحلة الغالب الغربي .

2 -العامل العلمي

ويتمثل في الإنتاج الفقهي الناشئ زمن العض ( الانحراف التاريخي الأول ) الذي شكل في عمومه السند العلمي للبلاء العضوضي النازل بالأمة المهين للمرأة، فهو فقه مطوق بالنظرة الجزئية للشريعة بعيد عن هدي كلياتها، غارق في الشان الفردي مبعد عن قضايا الأمة الحيوية، فعمل على توطين الاستبداد في العلاقات العمودية والأفقية داخل المجتمع في فكر الأمة، كما عمل على التأسيس للنظرة الاختزالية للمرأة من خلال فتاويه واجتهاداته، وذلك حين سحب على المرأة الحكم القرآني الجزئي الخاص مثل ( شهادة الرجل تعادلها شهادة امرأتين + حظ الذكر في الإرث يساوي حظ الأنثيين ) دون إدراج ذلك في كليه ومبدئه العام ليخلص من كل ذلك أن المرأة دون الرجل .

والمفترض في الفقه أن يسمو فوق المجتمع ليمارس بأمانة وظيفة النقد والتوجيه والتقويم والتنظير لما أليق وأصلح وفق الشرع، بدل الانسياق مع السيوبة العامة والرضوخ للأوضاع السائدة .

الأساس الثاني: المرأة والاغتراب الحضاري

ونقصد به ما تعرض له أبناء وبنات المسلمين من التغريب الممنهج فكرا وثقافة وسلوكا في المدارس التي أسسها المستعمر غداة دخوله بلاد المسلمين لذات الغرض، وهي خطة منهجية محكمة بعيدة المدى في ضمان تأبيد مصالحه في البلاد الإسلامية من خلال إنتاج وكلاء محليين لرعاية تلك المصالح .

ولبيان بعض تفاصيل تلك الخطة وأبعادها وأثرها في الامتساخ الحضاري، نورد شهادتين تاريخيتين لاثنين من مهندسي الاستعمار بالعالم الإسلامي أحدهما بمصر والآخر بالمغرب ,( من باب وشهد شاهد من أهلها ):

1- يقول ” اللورد كرومر” مهندس الاستعمار بمصر وأحد حكامه سنة 1908 م : "إن الحقيقة أن الشاب المصري الذي قد دخل في طاحون التعليم الغربي ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته أو على الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية، إنه لا يعود يومن بأنه لا يزال أمام ربه , وانه تراقبه عين لا تخفى عليها خافية، وانه سيحاسب أمامه يوما من الأيام، ولكنه لا يزال – رغم ذلك كله – يستفيد من مظاهر الحياة الإسلامية التي تتسامح مع ضعفه الخلقي، ولا يتصادم معها والتي تتفق مع مصلحته في مجال الحياة، ولكن المصري المثقف رغم ابتعاده عن الإسلامية لا يميل إلى المسيحية إلا نادرا" [1] .

2- يقول ” بول مارتي ” أحد منظري السياسة التعليمية الاستعمارية بالمغرب: "لقد انتهى الغزو العسكري، ولكن هل يمكن القول إننا أخمدنا إلى الأبد فتن هذه القبائل المحاربة الجافلة التي لم يستطع احد قط أن يخترقها ويخضعها (…) إن الغزو الروحي يتطلب قرونا من الجهود وعديدا من الأجيال، فحي على العمل المتواصل إذن في بلاد البربر المغربية وحي على فتح المدارس" . [2]

هذه باختصار شديد معالم شخصية النماذج البشرية التي راهن المستعمر على تخريجها من طواحينه التغريبية ووفق بيداغوجياته في المسخ الثقافي والحضاري .

فما غرسته مدارس التغريب في أبناء وبنات المسلمين من استتباع ثقافي وامتساخ حضاري تحت شعار: من أجل اللحاق بالركب الحضاري الغربي، كان انتكاسة أخرى للمرأة، ذلك أنها حين أيقظتها صدمة الاستعمار من سباتها العميق، أرادت أن تطالب بالإنصاف والتحرر من الموروث التاريخي الذي ظلمها وشيأها، غير أن المسكينة نسيت في هويتها الحضارية وخصوصياتها الثقافية ولقنت أن يكون نموذجها المنشود في التحرر المرأة الغربية والمسلك لذلك مسلك المرأة الغربية نفسها.

فهل في مكتسبات المرأة الغربية ما يغري المرأة المسلمة ؟

لقد تحولت المرأة الغربية بعد كد وجهد طويلين إلى دمية مكدودة معبودة اختزلت في جسدها واختزل جسدها في الجانب الجنسي , ويظهر ذلك في وجود المرأة في كل مكان لكن على وجه الاستمتاع، فالاستقلال الاقتصادي الذي ناضلت من أجله طويلا لم يتحقق بعد, ولكن ثمنه كان باهضا وهو إنسانيتها .

ومظاهر التشيئ للمرأة الغربية ولمثيلاتها متعددة منها :

– إسناد وظائف مثل سكرتيرة , ومضيفة ومذيعة بمقاييس الجمال والإثارة في حين الوظيفة تتطلب مهارات غير الأنوثة.

– تفضيل المرأة على الرجل في التشغيل لا عتبار جنسي أو استغلالي .

– إسنادها وظائف ثانوية إمعانا في التشكيك في قدراتها وتعطيل لطاقاتها .

أما قضية المساواة بين الرجل والمرأة التي تطالب بها الحركة النسوية أقل ما فيها التشكيك في قدرة المرأة على صياغة وجودها الاجتماعي في استقلالية عن الرجل، مع العلم أن هذا المطلب يصبح وهميا إن لم يتأسس على أرضية النهوض الشمولي التربوي العلمي الاقتصادي السياسي بالرجال والنساء وبالبيئة، وعلى مبدأ تقسيم الوظائف وضرورة التكامل.

فهل ترضى المرأة لنفسها أن تناضل على منهج ينتهي بها إلى الفوز بالاستعباد ؟

أود في خاتمة هذا الموضوع أن أقرر ما يلي :

-لا تغيير مالم يتحرر الرجل والمرأة من النظرة الدونية التقليدية التي كانت تحيل المرأة إلى عضو مكفول مهمش ؟·

-لا يتعسف على المرأة إلا لئيم عار من المروءة ناقص في الدين ·

-التكافؤ بين المومن والمومنة إنما يفهم بالمعايير الشرعية وباستحضار قيم الدنيا والآخرة معا، وإلا فإن التكافؤ شيء آخر.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

تاريخ النشر : الجمعة 10 مارس/آذار 2017

[1] الصراع بين الفكرة الغربية والإسلامية للندوي ص 106.
[2] الفرانكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب ص 33 لعبد العلي الودغيري .