منطلقات

القرآن والتربية

بقلم: خديجة شوقي
../imagesDB/4926_large.jpg

توطئة

للتربية معان كثيرة ينطلق كل تعريف منها حسب الحقول والمعارف والنظريات التربوية، وهي في الأصل اللغوي مشتقة من ربا يربو بمعنى نما وزكا وهي بذلك عمل دؤوب يحرص على إحداث تغيير في نفس الإنسان ويزكيها. وهذا يتطلب وجود استراتيجية محكمة تتوخى هذا التغيير وتسعى إليه في ظل مجموعة من المتغيرات والنوازل يجب حتما أخذها بعين الاعتبار، ولن ندخل في تفصيل هذه التعريفات لضيق مجال البحث هنا وتركيزه، بل نشير إلى ما يتماشى مع هذا المقام، فالتربية عملية مركبة ومحكمة وهادفة تروم تهذيب النفس وصقلها وتوجيهها لما يحسن به أمر الإنسان، وبما يرتقي به بين الناس، فيغدو قادرا على التواصل والأخذ والعطاء، مسيطرا على نوازعه وغرائزه، ليتميز عن الحيوان في بهيميته ويتطلع إلى الملاك في رقيه ونورانتيه.

التربية في القرآن

لقد أولى القرآن وهو كتاب تربية وتهذيب واحتضان، العناية للتربية بما تحمله هذه الكلمة في كتاب الله من قيمة وسبق واعتبار، وقد وجه الله تعالى خطابه بلزوم التربية والحرص عليها فجاء زاخرا في كثير من السور والآيات بهذا المعنى، وتكرر النداء الموجه للرسل والمؤمنين يأمرهم بنهج السلوك القويم واتباع الصراط المستقيم، ولا يتحقق هذا المطلب دونما حرص على التربية. وقد أكدت لنا النصوص القرآنية على قيمة التربية في وجوب التخلي عن الأخلاق الذميمة من كذب وزور وخيانة وغيبة ونميمة وسخرية، مع ضرورة التحلي بالأخلاق الفاضلة من رفق ورحمة وكرم وسكينة واحترام للغير وإن كان مخالفا، وبذلك نكون شخصية متوازنة . أهم هذه المواصفات:

- الشخصية المومنة بالله واليوم الآخر. المخلصةُ لله عز وجل، العالية الروحانية.

- الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيثُ محبةُ الله ورسولِه المنتجةُ لمحبةِ المومنين، ومن حيثُ الإرادةُ والقدرةُ على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيثُ المشاركةُ في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.

- الشخصيةُ الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.

- الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبَذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.

- الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرةُ على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العُلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.

- الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عملٍ يَرْضَى عنه الله عز وجل، الممسكةُ الثقيلةُ عن محارم الله.

- الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكرا، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية، وعاداتها، وثقافتها، ومنهاجها.

- الشخصية الصامدة أمام كلِّ إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل، ولا يفُتُّ في عزمها الكلل.

- الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها، وعلى التعامل مع تيارات المصالح العالميَّة تعاملا يضمن استقلال الأمة في غِذائها، وكِسائها، ورَخائها، وسِلاحها.

- الشخصية المقاتلة المجاهدة في سبيل الله، الحاملةُ رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجِدال بالتي هي أحسن، المدافعةُ عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.

كما أن السنة النبوية تمثلت الخطاب العام في القرآن الكريم بضرورة التربية، وفصّلت في كثير من القضايا التي جاءت عامة فيه، من خلال التوجيه النبوي للصحابة والمسلمين وبالنسبة للذميين ممن شملهم حضن الإسلام، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقفات حاسمة في كثير من المواقف واستهدف بالتوجيه المباشر تارة وبالتلميح أخرى، صونا للأعراض وحفظا للمراتب وتحقيقا للرحمة والرأفة النبويين.

التربية في المنهاج النبوي

تحظى التربية في المنهاج النبوي المستند في تأصيله للقرآن الكريم والسنة الغراء بالأولوية والسبق، فهي العنصر الأساس في البناء والعماد المتين في السلوك النبوي، إذ حرص المصطفى صلى الله عليه وسلم عليها كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالتربية على مستويين: فردي وجماعي. الأول استهدف تغيير الإنسان في خاصته ليسلك إلى الله وينقذ نفسه من الهلاك، والثاني للم العناصر الصالحة على أمر واحد والتوجه بها في مصير مشترك نحو البناء لما يتطلبه ذلك من تضافر الجهود والتئام الصفوف، فتم بذلك بناء المجتمع المسلم المتعاون والمتضامن المجاهد. وقد تركت التربية النبوية بصماتها عبر الأجيال. ويعبر الأمام المجدد - رحمه الله - التربية عنصرا أساسيا في إعادة الأمة إلى الطريق القويم والصراط المستقيم بعد عهود من الجبر والعض والتخلف والابتعاد عن الجادة، وسماها قدس الله سره تربية وتزكية وإحسانا. فهي سماع وتشبه وتمثل وتشرب كما أنها عملية يومية مستمرة دائمة لا تنقطع، يخضع لها المؤمن في حاضره. والغاية منها إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله. وأول خطى التربية التوبة واليقظة. وهي العمود الفقري في جوهر الإسلام، لذلك كان غيابها سببا في جل مشكلات مجتمعاتنا الإسلامية اليوم.

وللتربية شروط هي الصحبة والجماعة والذكر والصدق، وعلى أساس التربية يكون تأليف جند الله لأنهم لا ينشأون نشأة عفوية على أخلاق الرجال وإيمان الرجال وعزائم الرجال وعبودية الرجال لله عز وجل إنما تؤلفهم التربية، "ومن مهام التربية : تكتيل القوة وتكثير السواد النافع وصياغة إنسان جديد وربط علاقات جديدة. والإمام رحمه الله اذ يشيد بدور التربية التي أدت مهمتها يطرح سؤالا هل ضاع سِرُّ تربية جيل القرآن جند الرحمان وتنظيمه وقيادته بوفاة الرسول المعظم وغياب شخصه الكريم؟ هل خبا إلى غير رَجعة ذلك النور النبوي الذي قَبَسَ منه الصحابة فوصلهم بنور القرآن وقربهم من الله جلت قدرته فأحبهم ونصرهم؟ ليجيب عن ذلك بقاعدة تربوية أنه متى اكتشفنا من خلال كتاب الله وسنة نبيه سر التربية النبوية ومنهاجها انفتحت عنا أغلاق الجاهلية الراتعة في الأفئدة، المقيمة عليها، المقيدة لطاقات الفطرة الإيمانية، تمنعها من الانطلاق. جاءت أحاديث كثيرة تأمرنا بالتمسك بعده صلى الله عليه وسلم بكتاب الله وسنته وأهل بيته. أحاديث تضمن لنا الهدى إن فعلنا. روى الترمذي عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: وهو كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يَردا علي الحوض. فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما " [1].

التربية على الذكر قبل القرآن

تجديد الدين من أسباب فهم القرآن وترسيخه في القلوب، لأنه نور الله وكلامه المنزل على رسول صلى الله عليه وسلم، وهو قول ثقيل معنى ومبنى روحا وجوهرا، وقد ميز الصحابة بين من اُوتي الإيمان قبل القرآن وبين من اُوتيه قبل الإيمان، كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لمُسْلِمَةِ الجيل التابع: "أوتينا الإيمان قبلَ القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان، فأنتم تنثرونه نثر الدقل" [2]. وعليه فإنه" من يقرأ القرآن بدون استعداد إيماني قلبيِّ فإنه لا يجد إلا كلاما كالكلام. إن كان عربيا قُحّاً أخذته فصاحةُ القرآن المعجزة، وبلاغته وبيانُه. فإن كان من أعجام اللسان والقلب فإنما هو جرْيٌ على سطح الحَرْفِ القرآني. ويَهدي الله من شاء أن يشرَح صدره للإسلام حتى بهذه القراءة. إن الله على كل شيء قدير" [3]. أوتي الصحابة رضي الله عنهم الإيمان قبل القرآن، فاستقبلوا نزوله بخشوع، وتلوا آياته في خضوع، وطبقوا أوامره متبعين غير مبتدعين. قرأوه حلاوة في اللسان، وأمانة في جذر القلب، ونورا في العقل المتفكر المفكر، ودليلا في خاص الأمر وعامه، وإماما وحيدا، ومرجعا فريدا، يبينه الرسول الأمين، ويفصله ويفهمه وحيا على وحي، نورا على نور. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قلبك حُشِيَ الإيمان. وإن الإيمانَ يُعطى العبد قبل القرآن" . وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما من الصحابة: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا" .

"فإذا قرأ المؤمن كتابَ الله عز وجل بالتعظيم اللازم، والتعرُّضِ للرحمة بالإقبال على الله عز وجل تقربا إليه بتلاوة كتابه وتدارُسِه، غَنِمَ مزيدا من الإيمان، ومزيدا من النور. روى أبو داود رحمه الله بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده." "لا حظ الشروط الأربعة:" "- الاجتماع، وهو صحبة المومنين والكينونة معهم." "- في بيت من بيوت الله، حُرمة المكان ليتم الاحتفال والاهتبال والتعظيم." "- التلاوة، وهو التعبد المحض بترديد كلام الله تعالى." "- التدارسُ، وهو إشراك العقل في العملية لننتقل من التعبد بالحرف المقدس إلى تنفيذ الأمر على جَسر التعليم والتعلم والتواصي بالحق والصبر" [4].ويؤكد الإمام رحمه الله على أن "عودتَنا إلى حظيرة الإيمان تقتضي أن نجلس عبيدا يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَه. ومَن أحسنُ من الله حديثا، وأوثقُ سَنداً، وأوْهبُ للعلم؟ نجلس إلى القرآن نذكُرُ ربنا فنكون جلساءَه " [5]. ويكون التجديد النبوي بالذكر والإكثار من قول لا إله إلا الله إذ "بعد صحبة المومنين، بعد لقاء رجال الدعوة والاستئناس بهم ومحبتهم التي تجر إلى الإيمان، يأتي ذكرُ الله عز وجل، فيتمُّ التفاعل بين عامِلَيْ التربية الإيمانية الأساسيين. ويتجدد إيمان العبد الصادق بالإكثار من ذكر لا إله إلا الله حتى يستنير القلب، وتزولَ قساوتُه، ويوقى شُحَّه، فيتأهلُ لتلقي كلام الله عز وجل بالسماع الخاشع والنية التنفيذية " [6].

يجب أن نقرأ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في توجيهه إيانا للقرآن ووصيته من بعده على ضوء أن الإيمان في قلوب الرجال هو الذي يهيِّئ السامع للاهتداء بالقرآن. كان القرآن كلمةَ الله التي ينطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بلاغه وبيانه وخطابه الدائم لمن يدعوهم من الناس. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه. لم يكن سماعُهم للقرآن سواءً .هداية الله وسابقة المدعوين عند الله تحدّد النتيجة، فيومن بعض ويحصلون على أصل الإيمان بهداية الله وهداية رسوله، ويزدادون إيمانا إذا تليت عليهم آيات الله. ويكفر آخرون ويصمون ويستهزئون. ثم كان الصحابة يقتبسون الإيمان، بعضهم من بعض. يجلس بعضهم إلى بعض ليذكروا الله جميعا، ومن جملة الذكر، بل أعظم الذكر القرآن. لا إله إلا الله من القرآن، فبذلك كانت أعلى شعب الإيمان، وكان تَرْدادُها وتِكرارها في صحبة المؤمنين أوثقَ مصدرٍ للإيمان وأقربه. يأتي عبد الله بن رواحة رضي الله عنه فيأخذ بيد الرجل من الصحابة فيقول: تعال نومن ساعة! روى الإمام أحمد عن أنس أن عبد الله فعل ذلك وقاله ذات يوم لرجل، فغضب الرجل وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله ابن رواحة! إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة" . وفي الباب الأول من كتاب الإيمان في صحيح البخاري: وقال معاذ:" اجلس بنا نومن ساعة" .

وأشار الإمام رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك فينا" كلمة الله الحية، وترك فينا رجالا مؤمنين أحياء. والإيمان والإحسان يتجددان بالاعتصام بالحبلين العظيمين،كتاب الله وسنة رسول الله، ومن سنته العِتْرَةُ الطاهرة، وهم عموما كل متق وليٍّ لله، وخصوصا الطاهرون الأولياء. وهم آل البيت حقاً .باعتصامنا الصادق بهما يتجدد إيماننا حتى يتطابق مع إيمان الصحابة ويتماثل على المعيار القرآني الذي جاء فيه: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" " [7] . وجاء فيه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [8]. وجاء فيه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [9] رتِّبْ هذه الآيات إن شئت واقرأ شروط تجديد الإيمان وإحيائه: أخوة في الله، وصحبة، وذكر، وصدق ."بالاعتصام الجامع يصبح لتلاوة القرآن وحفظه معنى غير معنى الحافظين للحرف والمرتِّلين للسمع، تصبح له غاية زائدة على غاية الفقيه المجتهد وغاية المتبتل العابد. يصبح القرآن بحرفه وأحكامه ونوره قبلة الأرواح وضياء الدنيا والآخرة. الاعتصام الجامع هو مخرج الأمة من الفتنة، ومعراجُها من دركات الانحطاط والانهزام والغثائية. روى الإمام أحمد والترمذي والدارمي عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ""ألا إنها ستكون فتنة!". قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل.من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلُقُ على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: "إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به".من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل،ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم" . الحديث."الأحاديث في فضل القرآن، وثواب التالين، ودرجات الحافظين، وتنور السامعين كثيرة. كان الاعتصام بالقرآن والسنة طيلة هذه القرون بعد الخلافة الراشدة المهدية الأولى اعتصام قُربة فردية، نرجو من فضل مَن له الفضل سبحانه أن تجمع هذه الأجيال بين يدي الساعة إلى قربات القرآن الثوابية الدرجاتية قربة الجهاد في طريقنا إلى الخلافة الثانية المشهودة الموعودة. بذلك نكون حقا من أهل الله وخاصته كما كان من أُنزل القرآن بين ظهرانيهم. والقرآن كتاب جهاد أولا وأخيرا، ما أصبح تميمة للتبرك، ووثيقة مهجورة، ونصا معروضا معزولا إلا بِبِلَى الإيمان وعموم الفتنة، أخرجنا الله من عهودها بمنه " [10].

التربية على الخصال العشر

لا شك أن المنهاج القرآني من ما سبق يربي على الخصال العشر ويبني نموذجا ومثالا نبويا هو حقا فريد، وتسعى هذه الخصال إلى تحقيق الانسجام التام بين مطالب الفرد الفردية وحاجات الأمة الجماعية، وهذا التوافق والانسجام في الشخصية الإيمانية الإحسانية تذليل لكل العقبات والصعاب التي تواجه السالك إلى الله إذ " تتدرج الخصال العشر من الخطاب القرآني للإنسان وندبه إياه لاقتحام العقبة والكينونة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة." "فحصول الإنسان في مرحمة الجماعة، باكتشافه أخوتها الدافئة الرفيقة الباذلة الحنون، يحصل الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة، ثم يترقى من خصلة إلى خصلة حتى يحصل الخصلة العاشرة وهي: الجهاد. وبذلك تكون تربيته تمت، وعضويته في تنظيم جند الله استوثقت. وبتحصيل جند الله جماعة لفضائل شعب الإيمان يكون التنظيم قد استوفى خصائص حزب الله المنصورين الغالبين." "إن شعب الإيمان، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي لشعب، روافد يتألف منها نهر الإيمان. فإن تصورناها خيوطا إيمانية تربط العبد بربه فهي تكون، إن فتلت وأتقن تأليف رجالها حتى أصبح خلقهم القرآن، حبل الله المتين الممتد من السماء رحمة إلى الأرض، حيث تظهر عملا حكيما وجهادا مجددا. وعندئذ فالتمسك بجماعة المسلمين في الأرض استمساك بالعروة الوثقى" [11].

تعلم القرآن وتعليمه

وردت أحاديث كثيرة في بيان فضل تعلم القرآن وتعليمه، فقد اختص الله من لزم نفسه بالقرآن وأفنى عمره في تعلمه وتعليمه بأنهم أهل الله وخاصته، روى الشيخان والترمذي والنسائي رحمهم الله عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الماهر بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكرام البَرَرَةِ. والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران" . وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي رحمهم الله عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُكم من تعلم القرآن وعلمه" . قال الإمام الرفاعي في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث الشريف يفيد أن الخيرية قد صحت لمن قد تعلم القرآن وعلمه لما في القرآن العظيم من بالغ الحكم، وغامض السر، وخطير الشأن، وهو حبل الله الأعظم، به يهتدي المهتدون، ويصل الواصلون. وهو خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباب الله تعالى، والمعجزة الدائمة، والنور الذي لا ينحجب. وعنه تأخذ أرواح العارفين أسرار المعرفة. وما المعرفة التي لم ترجع إليه؟ ما هي إلا زور وضلالة. ومتى تحقق العبد بالعلم بالقرآن العظيم فقد صار عارفا، وانكشفت له الأسرار الربانية، الملكية والملكوتية. ومتى صار عارفا حَنَّ وأَنَّ، وطلب زيادة العلم بالله من كل طريق وفن وكل الطرق والفُنُون في القرآن العظيم. والعارفون هم الراسخون في العلم يقولون آمنا به، وإليه سير هممهم، وعنه يصدرون، وبه يهيمون، ومنه يأخذون" .

"لكلِّ هذا الفضل الوارد في حق من تعلم القرآن، وقرأه وتلاه، واجتمع عليه، كان أهلُ القرآن هم أهلَ الله وخاصَّتَه كما جاء في الحديث. فمن كان أساسُ بنائه القلبيِّ والفكريِّ كتابَ الله عز وجل خليقٌ أن ينعكس فضلُ القرآن ونورهُ على حياته. ولن تزال هذه الأمة بخير ما اتخذت القرآن عُمدةَ التعليم والتربية وقِوامَهُما. ففي مدارس الصبيان واليافعين والشباب والكبار ينبغي أن تُعاد للقرآن حرمتُه ومكانتُه بحيث يكون صُلْبَ دروس اللغة والفقه والأخلاق والعقيدة. في حلقات الدعوة، في المسجد، في برامج التعليم المدرسي والجامعي. وإنَّ إبعاد القرآن عن المدارس والمعاهد والجامعات، وتقليصَ حصصه، وعدمَ اعتبار حِفظه، وتجويده، وفهمه، في الامتحانات لمحاربة لواحدة من شعائر الإسلام العظمى" [12]."أهل القرآن هم أهل الله وخاصته " [13]. أطهر أهل القرآن قلبا أقربهم لله. لا يمسه إلا المطهرون، وهم الملائكة ومن دخل في حكمهم بتطهره الظاهر والباطن حتى أزالت ملائكيته دوابيته، ومحت نورانيته ظلمته، وأذهب الله عنه الرجس وقربه وأحبه وجعله من خاصته. ولكل من عظم كتاب الله وخدمه حفظا وتلاوة، وعمل بأمره ونهيه نصيب من ولاية الله. ولَخَيْرُ الأمة من تعلم القرآن وعلمه، إذا كان مع التعلم والتعليم تقوى.

تاريخ النشر : الإثنين 13 مارس/آذار 2017

[1] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة: 66.
[2] رواه الحاكم.
[3] ياسين عبد السلام إمامة الأمة: 163
[4] ياسين عبد السلام إمامة الأمة: 163 – 164.
[5] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة: 160.
[6] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة: 163.
[7] سورة الحجرات: 10.
[8] سورة الأنفال: 2.
[9] سورة الحجرات: 15.
[10] ياسين عبد السلام، الإحسان، 1/ 334.
[11] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 39- 40.
[12] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة: 165.
[13] رواه الإمام أحمد وابن ماجه والنسائي والحاكم عن أنس بسند حسن.