شهادات

ذكرى رحيل "أم الوفاء"

بقلم: نور الدين الملاخ
../imagesDB/5778_large.png

تحل ذكرى رحيل المرأة الصالحة، أمنا "للا خديجة المالكي" التي غادرتنا ، صبيحة يوم الأربعاء 25 مارس 2015. ذكرى للتذكُّر والتذكير، سنة من سنن الله لخلقه المُعمِّر أرضه إلى حين زمن الرحيل، مصداقا لقول الله عز وجل: فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا .

فالحياة الدنيا ماهي إلا أيام وليال، وسرعان ما تنطوي، وتطوى معها من شاء الله لهم الرحيل منها إلى دار البقاء، فلا خلود فيها لأحد كائناً من كان، وتلك حقيقة لابد أن يعتبر بها من بقيت من حياته في الدنيا أيام ليعيش الحياة الحقيقية في الآخرة مع السعداء على سرر متقابلين، ومع الصالحين والصالحات في جنات النعيم. هكذا عاشت "أم الوفاء" بقدم في الدنيا ويد مبسوطة إلى السماء تسأل الله عز وجل الرضى وحسن الجوار.

أتحدث عن امرأة لا تحب الظهور، وتفر من الأضواء، وتنزعج من أصبع ينعتها ولو بالخير، أو من لسان يذكر خصالها، أو عين تستقر على عينها...ذلك لنتَّعض نحن المفتونون فوق الأرض، بنزعة الهوى وبأسر حب تملك الخراب، وبحب الظهور...

أمنا للا خديجة، في صمتها حكمة بالغة، وفي نظرتها موعظة ناطقة، وفي نطقها قول بليغ، وفي صوتها الخافت نداء قوي للإدبار عن المهالك والإقبال على الله والانجماع عليه. حُنوها وعطفها اتسع من دائرة الأسرة الصغيرة إلى المحيط الأكبر. دعاؤها لنفسها ولأبنائها ولأحفادها وأيضا لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاح وبالتوبة والإنابة، برهان على أنها امرأة تخلّصت من الأنانية الفردية إلى حب الخير لكل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحتى في أيام محن سجن زوجها الإمام عبد السلام ياسين رحمهما الله، لا ترى على قسمات وجهها إلا إشراقة نورانية وابتسامة قلب صابر ومحتسب.

أمُّنا للا خديجة، مدرسة يَتعلم منها الكبير قبل الصغير: صبر الأولياء والافتقار إلى الله والزهد في الدنيا، تعطي بيمينها مالا تعلم شمالها، لا تسمع منها إلا كلاما طيبا ولا ترى منها إلا معاملة طيبة. جعلت دنياها مزرعة لآخرتها.

امرأة شريفة النسب، سليلة الأطهار الأخيار، نبيلة الأخلاق، مؤمنة صالحة تقية خفية. خافت ربها وحرست على سنة نبيها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. تمكن حب الله ورسوله من قلبها، فأكرمها الله في الدنيا قبل الآخرة.

أكرمها الله بزوج صالح، عرف قدرها فقدَّرها، أعانته على رسالة الدعوة إلى الله عز وجل. كان بيتها ملاذا للناس، يطعم فيه الجائع ويكرم فيه الزائر ويجاب فيه السائل. أفواج وأفواج من الناس دخلت بيتها الأرقمي. بيت متواضع الأركان لكنه فسيح الجنان، لأنه مليء بالمحبة والصفاء ويسكنه امرأة صالحة ورجل مصلح، وهبا حياتهما لله.

امرأة ليست ككل النساء حياء وأدبا وإخلاصا و وفاء. "الكنز العظيم" لما تمتلكه من خصال أمهات المومنين، عاشت صدِّيقة عيشة الطهر والنَّزاهة. ارتدت ثوب العفة، وتسربلت الفضيلة، يتلألأ من وجهها نور الطهارة، ويشع من قلبها بهاء الطاعة، وعلى جسدها سيماء الرفعة والمهابة، وأخلصت في منح قلبها ووجدانها وفكرها لزوجها ورفيق دربها.

كانت أمنيتها أن يكرمها الله بجوار رفيق دربها كما أكرمها بالقرب منه في الدنيا. استجاب الله لدعائها رغم محاولة الحانقين الحيلولة دون ذلك، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا . فكأن قدر الله يقول لك:" يا خديجة، يا أم الوفاء، عشتِ حياة تقية نقية... واشتقتِ لما اشتقت إليه، أردتِ الرحيل خفية...نلتِ ما أردتِ...إنما على باقي الخلق أن يعرفوا أن الأَمَةَ الفقيرة إلى الله، إنما هي أم الوفاء...".

رحمك الله يا" أم الوفاء"، لقد عشتِ عزيزة ورحلتِ عزيزة، وهنيئاً لك بأكرم جوار، وأعظم قرار، ودعاء من الأعماق بأن يتغمدك الله بواسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يمن علينا بجوارك في الآخرة كما من علينا بجوارك في الدنيا، وأن يحشرنا وإياك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

قال الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً .

تاريخ النشر : السبت 25 مارس/آذار 2017