عين على الآخرة   روح العبادة

مرحبا بمن جاء يحمل عنا زادنا إلى الآخرة

بقلم: ليلى المتوكل
../imagesDB/5703_large.jpg

أبواب كثيرة للخير تفتح نغفل عنها وفرص في طريقنا تسنح لانغتنمها ونفحات لله في دهره لا نحسن التعرض لها.

يروى عن زين العابدين رحمه الله أنه كان يكرم السائل ويقول له:" أهلاً بمن يحمل زادنا إلى الآخرة" ، وكان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة، كان يقول له متهللاً: "مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي إلى الآخرة بغير أجر" .

قال أحد العارفين: "لو عرفتَ ما يحمله لك السائل من الخير لحملتَه في فؤادك لا على رأسك"

وكان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه ويقول: "مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي"

وقال الفضيل بن عياض:" نعم السائلون، يحملون أزوادنا إلى الآخرة، بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى"

وكان أحد الصالحين إذا جاءه فقير يقول: "مرحباً بمن جاء يحمل زادنا إلى ربنا"

فمن هم المرحب بهم؟ ومن هم الحاملون لأزوادنا إلى ربنا؟

الخلق عيال الله والإحسان إليهم باب كبير من أبواب التقرب الى المولى الكريم جل جلاله قال عز وجل: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ البقرة، 176

أعمال البر ذكرت مباشرة بعد الإيمان القلبي بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وقبل الصلاة والزكاة.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دخلت امرأة النار في هر، أو هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها هزل"

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا فَقَالَ نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ"

هاتان القصتان نقرأهما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونمر. كلا! بل فيهما توجيه لتَعُم رحمتُنا وإحساننا الخلق أجمعين، لا نحقر من المعروف والإحسان شيئا. فالنفس التي تشفق على حيوان ملهوف في الصحراء نفس رحيمة، يشكر الله صنيعها فيجزيها الجنة. والنفس الشريرة التي تمارس عدوانها على الحيوان الضعيف مثل الهرة نفس جهنمية. نعوذ بالله.

هذا جزاء الله عز وجل ثواباً وعقابا للمحسن والمسيء في حق الحيوانات العجماء، فكيف ثوابه وجزاؤه، وعذابه وعقابه، للمحسن إلى الناس والمسيء؟

"من صلت صلاتها وزكت فرضها فهي مؤدية لواجب عيني تحاسب عليه. أما من تبرعت بمالها وحنان قلبها على المحتاج من قريب ومسكين وسائل فقد أسْهمت في القيام بفرض كِفائيٍّ متعلق بذمّة الأمة، فارتفعت بذلك مرتبة عملها إلى أعلى. المصلية المزكية فرضَها ما عدَت أنْ بنَتْ أركان بيت إسلامها. أما المحسنة إلى الخلق المجاهدة بمالها وحنانها فهي تبني في صرح دين الأمة. بذلك كان لها الفضل" [1] .

جاء ضيف إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولم يكن في بيته طعام، فسأل من يستضيف ضيف رسول الله؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله، وذهب بالضيف إلى بيته وسأل زوجته ”أم سليم “ عن الطعام، فقالت: لا يوجد غير طعام الأولاد، وأنامت أم سليم أطفالها ووضعت طعامهم أمام الضيف، وتصنعت أنها تصلح السراج فأطفئته، وتصنعت هي وزوجها أنهم يأكلون حتى أكل الضيف وشبع!!

وذهب أبو طلحة إلى صلاة الفجر فاستقبله رسول الله صل الله عليه وسلم قائلاً: «يا أبا طلحة لقد ضحك الله من صنيعكما الليلة»

تعجّبَ ربنا جل وعلا من صنيع الأنصارية التي أطعمت ضيْف الدعوة، ضيْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشاء أطفالها، واحتالت ليشبع، وتلطفت ليهدَأ بالُه...

"قِرَى الضيف عابر السبيل فرض، وليلته حق على كل مسلم. فإن كان الضيف ضيف دعوة فقِراه آكد، وحقه أوجب على من تَفْقَهُ في دينها" [2].

روى الأئمة مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نَفَّس عن مؤمن كُربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة. ومن يسر على مُعسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستَر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بَطَّأَ به عمله لم يُسرع به نسبه" .

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: "زاد المؤمنين إلى هناك العمل الصالح، زاد قوم تقربوا إلى الله وذكروه كثيرا فخرجوا منها وقد فازوا بالله، وصحبوا في سفرهم إلى الآخرة الله، ونظروا بعين قلبهم هنا وينظرون بعين رأسهم هناك الله " [3].

تاريخ النشر : الجمعة 21 أبريل/نيسان 2017

[1] تنوير المؤمنات، ج 2.
[2] تنوير المؤمنات ج 2.
[3] الإحسان ج 1.