مع الأسرة   الزواج

الأسس الشرعية للحياة الزوجية

بقلم: محماد رفيع
../imagesDB/4924_large.jpg

إن طبيعة الأجواء التي تسود في المجتمع من هدوء واستقرار، أو فوضى واضطراب ترجع في العمق إلى طبيعة الأجواء السائدة في مؤسسة الزواج، المسؤولة عن إنتاج النوع البشري، وإعداده وتربيته؛ فباستقرار هذه المؤسسة يستقر المجتمع، وباضطرابها يضطرب.

فالعلاقة الزوجية القائمة على الصراع والكراهية، لا تنتج سوى صور الانحراف المغذية لمآسي المجتمع، بينما الحياة الزوجية الهادئة القائمة على مبادئ القرآن وأسس الشريعة، تنتج أجيال الحكمة والقوة التي تبني المجتمع وتعمل على استقراره.

فما المخرج من أجواء الكدر والكراهية والصراع في الحياة الزوجية؟ وما الأسس التي أقام عليها شرع الله عز وجل بنيان الأسرة المسلمة ضمانا لاستقرارها وتأمينا لسيرها وأداء رسالتها؟

لقد أحاط شرع الله العلاقة الزوجية بعناية بالغة، وشيدها على أسس متينة وقواعد مكينة، تنطلق من عمق الفطرة البشرية لتعانق مقاصد الإعمار في الأرض، وتحقيق العبودية لله وحده.

وفيما يلي تفصيل القول في هذه الأسس الشرعية:

1.العلاقة الزوجية علاقة تساكن ومودة ورحمة:

فالأصل في الحياة الزوجية أن تتأسس على هذه المعاني الكبيرة الثلاثة: التساكن، والمودة، والرحمة انطلاقا من قول الله عز وجل: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [1].

فالرجل والمرأة يحتاج كل واحد منهما – بمقتضى الفطرة – إلى لحظة سكينة وطمأنينة يأوي فيها أحدهما إلى الآخر، ويفضي إليه، و إلا ساد التوتر وحل الاضطراب، لأن النفس البشرية واحدة شطرها عند الرجل وشطرها الآخر عند المرأة، و لا سبيل لتحقيق استقرار هذه النفس وطمأنينتها إلا بالجمع بين شطريها الموزعين بين المرأة والرجل، قال الله عز وجل مقررا هذه الحقيقة: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها [2]. وكرر الحق سبحانه ذكرها في كتابه، فقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [3].

فوحدة الأصل للنفس البشرية، وتفرعها إلى طرفي الذكورة والأنوثة، هي الحقيقة التي ندرك من خلال فهمها واستيعابها حاجتنا الفطرية الملحة – ذكورا وإناثا – إلى التساكن في علاقتنا الزوجية، وبدون هذا التساكن، يصبح استمرار الحياة الزوجية متعذرا وعبئا ثقيلا لا تطيقه النفس الإنسانية التواقة إلى لحظات السكينة.

غير أن تحقيق أجواء التساكن بين الزوجين، وإدامتها في لحظات السراء والضراء يتوقف على رابطة المودة التي ينبغي أن تكون الأساس المعتمد وإليها المستند في بناء العلاقة الزوجية، فبالمحبة بين الزوجين تقوى سفينة الزواج على الصمود ومواصلة المسير وسط أمواج مشاكل الحياة المتلاطمة.

كما أن المحبة تضمن للزوجين في معاشرتهما التحلي بمعاني الصبر والمصابرة وتحمل الأذى، والتغاضي عن العيوب وجوانب التقصير التي لا يخلو منها بشر، وهي أمور تتوقف عليها المعاشرة الزوجية الدائمة، لكنها دائرة مع المحبة وجودا وعدما.

وتجود المحبة كذلك عند تمكنها من قلوب الأزواج بقيمة كريمة سامية ألا وهي الرحمة، فكلا الزوجين محتاج بين الحين والآخر إلى استشعار معاني الرحمة والعطف والصفح من الطرف الآخر، خصوصا في لحظات الضعف ومواقف الخطأ والذنب التي تنتاب الإنسان بطبيعته.

فبناء العلاقة الزوجية على أساس التساكن والمودة والرحمة، تضمن جوا تربويا منتجا داخل الأسرة يكون اللبنة الأساس في تنشئة موفقة وصياغة مباركة للذرية الصالحة المصلحة.

2. العلاقة الزوجية ميثاق غليظ:

ليست العلاقة الزوجية في شرع الله مجرد عقد بين طرفين للاستمتاع أو الانتفاع يعقدانه حسب رغبتهما وينهيانه وفق مزاجهما، وإنما هي علاقة ميثاق غليظ كما سماها كتاب الله تعالى: وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقا غليظا [4].

والميثاق العهد عند أهل اللغة [5]، وهو هنا عهد بين ذمتين كما أن الإفضاء وصلة بين جسمين أعطاها الشرع حرمة خاصة، إذ لم يصف الحق سبحانه الميثاق بالغلظة في كتابه إلا في ثلاثة مواطن:

- في سورة الأحزاب التي تحدثت عن الميثاق الذي أخذه الله من أنبيائه في قوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [6].

- في سورة النساء لما تحدث الحق سبحانه عن فسقة وكفرة بني إسرائيل الذين نقضوا عهد الله، حيث قال سبحانه: ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم، وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا، وقلنا لهم لا تعدوا في السبت، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [7].

- في موضوع الزواج الذي نتحدث عنه كما في الآية التي أوردناها سابقا.

وقد رفع الله شأن ميثاق الزواج درجات من التعظيم والقدسية إلى جانب ميثاق الأنبياء والرسل وما أخذه الله على بني إسرائيل، ليفهم الزوجان أن رابطة الزواج رابطة مقدسة لصلتها بعهد الله وميثاقه وكلمته. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القدسية لميثاق الزواج وأكدها ضمن أواخر وصاياه في حجة الوداع حيث قال: فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله [8].

فتقدير الزوجين لرابطة الزواج وتعظيمها كما عظمها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهو البداية الصحيحة لحياة زواج سعيدة.

3. العلاقة الزوجية عبادة:

لقد بلغ تقدير الشرع لرابطة الزواج أن عدها ضمن القربات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، وألغى بذلك كل الأفكار والنظريات التي تختزل الزواج في جانب الإشباع الغريزي أو الإنجاب لا صلة له بالآخرة.

فالمعاشرة بالمعروف بين الزوجين ما هي مسألة اختيارية أو مزاجية وإنما الأمر دين وأمر شرعي، يعد الإخلال به مخالفة شرعية ومنقصة في مروءة المرء وإيمانه، قال الله عز وجل: وعاشروهن بالمعروف [9]، كما أن القيام بهذا الأمر يزيد من إيمان المرء، ومن قربه من الحق سبحانه.

ويعلمنا شرعنا الجانب التعبدي في أدق جزئيات الحياة الزوجية، كما في مسألة إطعام الزوجة والنفقة عليها، فعلى الرغم من أن المسألة واجب شرعي على الزوج، فإن جانب القربة فيها حاصل بفضل الله وكرمه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك" [10].

ويذهب الشرع بعيدا في إبراز جوانب التعبد في الحياة الزوجية التي لا تتنافى والجوانب الأخرى المعتبرة شرعا، حيث بشرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن لحظة المضاجعة في فراش الزوجية قربة من المولى سبحانه عز وجل، وذلك في قوله لصاحبه ابتداء وأمته انتهاء، "وفي بضع أحدكم صدقة". ولما استغرب الصحابة من هذا التقدير ا لشرعي للشهوة الآدمية، في قولهم:" أ يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ "، أجاب صلى الله عليه وسلم بقياس معكوس:" أرأيت لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له فيها أجر " [11].

4. العلاقة الزوجية علاقة تكامل وتعاون:

من حكمة الله عز وجل أن ميز بين الرجل والمرأة في تكوينهما الفيزيولوجي والنفسي، وجمع بينهما في مؤسسة الزواج تحقيقا لمبدأ التكامل والتعاون بين الزوجين.

فلا تستقر الحياة الزوجية ولا تقوى سفينتها على مواصلة المسير بسلام، ما لم تنبن على أساس التعاون والتكامل، وقد منح الله عز وجل للمرأة من المؤهلات العاطفية والنفسية ما جعلها أقدر من الرجل على ممارسة التربية، ومعالجة النوع البشري في أدق مراحل عمره، وأقوى منه في إدارة وتدبير الشأن الداخلي للبيت، ومنح الرجل من المؤهلات البدنية والعقلية ما يجعله أقوى على تحمل مسؤولية الرعاية العامة، وإدارة الشأن الخارجي للبيت؛ وهذا ما يشير إليه حديث المصطفى صلى الله عليه و سلم: "والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته..." [12].

والله عز وجل أراد من خلال هذا التنوع واختلاف الوظائف بين الزوجين، أن يجتمعا على أساس التعاون لتحقيق مبدأ التكامل في الوظائف والأعمال، فيثمر ذلك استقرارا واطمئنانا وإنتاجا بشريا نوعيا، وهذا لا ينافي قدرة المرأة على المشاركة في الشأن العام خارج البيت، بل إن العمل المجتمعي لا يتزن إلا إذا شاركت فيه المرأة، كما كان الأمر زمن النبوة والخلافة الراشدة، وإنما نتحدث عن الوظيفة الأصل لكل من المرأة والرجل، وما سوى ذلك فرع تابع للأصل، والقيام بالأصل لا ينافي القيام بالفرع، ولكن القيام بالفرع على حساب الأصل ممنوع.

5. العلاقة الزوجية علاقة عدل وإحسان:

أقام الله عز وجل العلاقة الزوجية على مبدأي العدل والإحسان ضمانا لدوامها واستقرارها، وصيانة لها من عوامل الشقاق والخلاف، فقال سبحانه تجسيدا لمبدأ العدل: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [13]، حتى لا تضيع الحقوق بين الزوجين، فيبادر كل منهما - تحت هذا التوجيه القرآني – للوفاء بما عليه من حقوق تجاه قرينه.

غير أن العلاقة الزوجية علاقة دائمة ومستمرة ومعاشرة يومية، وحالة الاحتكاك والنزاع طارئة لا محالة، لذلك كان لا بد لهذه العلاقة من غلاف إحساني، حتى لا يتحول الأمر إلى مشاحنة ومنازعة حول الحقوق الزوجية، بل ينتقل التعامل بين الزوجين على أساس مبدإ الإحسان إلى الحرص على إكرام الطرف الآخر بغض النظر عن وفائه لما عليه أو تقصيره، فيتبادلان العفو والتجاوز والصفح عند التقصير والشكر والتقدير والتنويه عن كل لحظة وفاء مهما كانت بسيطة. ولذلك قال علماؤنا رحمهم الله: "عقد الزواج عقد مكارمة، لا عقد مكايسة" .

أسأل الله العلي العظيم أن تكون هذه الأسس التي عرضتها مبسطة مجملة نصيحة مفيدة لأسرنا وأربابها ألقاها في صحيفتي خالصة مقبولة يوم لقاء الله عز وجل.

[1] - الروم، 21.

[2] - الأعراف، 189.

[3] - النساء،1.

[4] -النساء، 21.

[5] -ينظر: " القاموس المحيط " للفيروزآبادي، 3/390، و " مختار الصحاح " للرازي، ص: 332.

[6] - الأحزاب، 7.

[7] - النساء، 154.

[8] - مسلم في كتاب: " الحج " باب حجة النبي.

[9] - النساء،19.

[10] - مسلم في كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث، والبخاري في كتاب الوصايا: باب أن يترك ورثته أغنياء.

[11] - مسلم في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل باب من المعروف.

[12] - البخاري: كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر.

[13] - البقرة، 226.

تاريخ النشر : الثلاثاء 16 ماي/أيار 2017