منطلقات

بشراك أم الأجيال

بقلم: ادريسية هيلام
../imagesDB/5816_large.jpg

للأم مرتبة عظيمة، كرمها الله تعالى وشرفها، وأي تكريم أكبر من جعل طاعتها بعد طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلمِ. نالت التكريم والتقدير من الخالق سبحانه وتعالى، تتويجا لما قاست وعانت، وفي سبيل الذرية سهرت وتحملت، فما استكانت، ولا تقاعست عن المهمة العظيمة ولا تراجعت، إلى أن رأت الأبطال شبوا فحملوا المشعل وجاهدوا. كانت الأم محط المشورة والرأي، فكان المرء لا يجاوز رأي أمه، ولا يستغني عن مشورتها، كما كانت مركز التقدير والطاعة من طرف الأبطال.

بصدر الإسلام نمثل، عندما استشهد حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد، بقرت هند بنت عتبة بطنه ونزعت كبده، وجدعت أنفه، وقامت قريش بتمزيق جسده، ولما انقضت المعركة، ووقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد حزنه لما أصاب عمه البطل، ثم أبصر عمته صفية بنت عبد المطلب مقبلة لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير:"دونك أمك فامنعها" -وأكبر همه ألا يجد بها الجزع لما ترى- فلما وقف ابنها يعترضها قالت:"دونك لا أرض لك، لا أم لك" وهنالك رجف بطل قريش وزلزلت قدماه، واعتقل لسانه وكر راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه حديث أمه، فقال عليه السلام:"خل سبيلها" فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها:" لرسول الله ما أرضانا بما كان في سبيل الله، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله" فلننظر إلى هذا الموقف العجيب، موقف البطل الزبير حيال أمه وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقف دونها فيعترضها، ولو أمره صلى الله عليه وسلم أن يعترض جيشا كاملا لوقف في سبيله غير هياب ولا وجل، ولكن ترتجف أوصاله لعظمة الأمومة.

توصيات قرآنية جليلة شرف الله بها الأم، زادتها تدعيما وتطعيما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبقى دليلا قاطعا وحجة دامغة في أذن دعاة التحرير الذين يريدون إخراج المرأة بصفة عامة، والأم بصفة خاصة من دائرة التكريم والتجليل إلى بؤرة التضليل.

الأم أحق الناس بالصحبة

جاءت الوصية في سورة لقمان بالإحسان إلى الوالدين إجمالا، حيث قال عز من قائل:ووصينا الإنسان بوالديه ثم فصلت في الأم ترجيحا لحقها وتقديما، فقال سبحانه:حملته أمه وهنا على وهن ثم زادت المشكاة المضيئة الوصية تأكيدا، ففي حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال:ثم من؟ قال: أبوك"

فهل تحسن صحبة الأم كما وصانا بذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؟ وهل تعامل المعاملة التي تليق بمقامها كأم أنجبت وربت، وسهرت الأيام والليالي لترى عملها قد أينع وأثمر وآتى أكله بإذن ربه.

أم أنها تراها تعامل عند البعض تأففا وجدالا وجها لوجه بلا حياء ولا احترام ولا تقدير لتعب ولا عناء ولا نصب.

الجنة عند رجلها

الصيغة جاءت الوصية بالأم في حديث رواه النسائي عن معاوية بن جاهمة أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك. فقال له: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها"

من منا يرى الجنة عند أرجل أمهاتنا؟ فيطيع ويبر، ويحسن الصحبة، ولا يتأفف ولا يجادل.

إن ما نسمع في واقعنا الحاضر من معاملة قاسية تجاه الأم، تجاوزت التأفف والشتم إلى الضرب، لمِمَّا تقشعر منه الجلود وتصم لسماعه الآذان.

أي ضمير، وأي عقل، بل وأي قلب هذا الذي يدعو بعض الأبناء والبنات أن يقفوا أمام المحاكم لمواجهة أمهاتهم أمام القاضي والناس يشهدون؟

وأي ضمير يسمح للابن بالامتناع عن النفقة على أمه، حتى تلتجئ إلى المحاكم ويأمر القاضي بذلك ؟

من أحسن علاقته بالله عز وجل، أحسن علاقته ومعاملته لأمه، ومن كانت علاقته بالله تعالى مقطوعة حبالها، فليفعل ما يشاء، فإن البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت.

يبر بها في حياتها وبعد موتها

زاد الدين الحنيف الأم تعظيما حين أمر بالبر بها وهي ميتة، روى مسلم والترمذي وأبو داود عن بريده بن الحصيب رضي الله عنه قال:"بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال:" "وجب أجرك، وردها عليك الميراث" "قالت: يا رسول الله، إنها كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟قال:" "صومي عنها، " "قالت: إنها لم تحج، أفأحج عنها؟ قال: " "حجي عنها" ثم زادها تعظيما وشرفا البر بأختها إن هي ماتت، جاء في حديث رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله، إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ فقال:" "هل لك من أم؟ " "قال:لا قال:" "هل لك من خالة؟ " "قال: نعم، قال:" "فبرها" هذا أوصانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المثال والقدوة في ذلك، فهو البر الكامل، ماتت أمه فحضنته حليمة السعدية رضي الله عنها، حاضنة تولت من شؤون الأمومة أيسرها، فاستحقت منه صلى الله عليه وسلم أتم الإحسان.

في حديث عند أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم"كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة(حليمة) فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه"

صلى عليك الله وسلم يا حبيب الله، بك نقتدي وخطاك نتبع، وآثارك نقتفي، نسأل الله أن يجعلنا من السائرين على دربك.

زيارتها وصلتها وإن كانت مشركة

مرتبة عظيمة أخرى نالتها الأم، زيارتها وصلتها حتى وإن كانت مشركة رعاية لحبل الفطرة.

روى الشيخان وأبو داود عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت:"قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة ( راغبة في عطاء ولم تجئ مسلمة مهاجرة) أفأصل أمي؟ قال :" "نعم، صلي أمك" أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلة الأم وهي مشركة، فكيف بمن يقطعها وهي المؤمنة الموحدة؟ فلا يتفكر أحوالها ولا يتفقدها.

رحمك الله، وعظم شأنك أم الأجيال، في شأنك وردت توصيات، ونزلت سور.

نداء أخير

أخي المؤمن... أختي المؤمنة، إن الأم التي ربت وتحملت في ذلك العبء الثقيل، لو أنفقنا ما في الأرض برا بها وطاعة لها ما وفيناها حقها، ولكن إذعانا لأمر الله عز وجل نتبع بعضا مما أوصانا به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عسانا نكون ممن قدر حق الأم :

- تخصيص الأب والأم معا بالدعاء، امتثالا لقوله تعالى: " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".

- اجعل لها أخي، واجعلي لها أختي هدية وفاء لقدرها، سواء بمناسبة،أو بغير مناسبة.

- أحسن أخي، وأحسني أختي إلى أقربائها في حياتها وبعد موتها.

- اخفضا لها الجناح ولاتتأففا في وجهها، وترفعان صوتكما أمامها.

- قل لها أخي، وقولي لها أختي: أنت على صواب ورأيك جميل وإن كان يحتاج إلى تعديل أو لا يليق ولا يناسب، تقديرا لها وطاعة. وإذا أردتما استبدال رأيها بآخر، فبالتي هي أحسن، وبالطريقة التي يطبعها التقدير والاحترام.

- التماس دعائها، وطلب رضاها.

- تعهدا بحفظ كتاب الله عز وجل، فحفظ كتاب الله تاج للوالدين يوم القيامة.وما أعظمه من تاج.

- إحسان صحبة الأم والبر بها، وللأب في كل ما سبق نصيب عظيم.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا الحق سبحانه من الذين يقولون ويفعلون.

آمين.

تاريخ النشر : الإثنين 20 مارس/آذار 2017